شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣١٧ - الفصل الخامس في اقتصاصه لحاله،و الإشارة إلى قوّته في دينه
علىّ من أبناء أربع عشرة سنة يصلّى مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليلا و نهارا و قريش يومئذ تسافهه ما يذبّ عنه إلاّ علىّ.
الثاني:أنّ المتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ المسلم و الكافر إنّما هو البالغ دون الصبىّ و المبادرة إلى الّذهن دليل الحقيقة فالواجب إذن أن يرجع إلى إطلاق قولهم أسلم علىّ.فإنّ ذلك يشهد بكونه بالغا عاقلا لما يفعله خصوصا في البلاد الحارّة مثل مكّة فإنّ-العادة في المزاج الصحيح فيها أن يبلغ صاحبه فيما دون خمس عشرة سنه و ربّما احتلم و هو ابن اثنى عشرة سنة.
الثالث:و هو الحاسم لمادّة الإشكال أنّه عليه السّلام إمّا أن يكون أسلم و هو بالغ أو لم يكن فإن كان الأوّل فقد حصل الغرض و إن لم يكن فلا معنى للكفر في حقّه إذ كان عليه السّلام مولودا على الفطرة فمعنى الإسلام في حقّه إذن دخوله في طاعة اللّه و رسوله و الاستسلام لأوامرهما فله إذن الإسلام الفطرىّ و الإيمان الخالص الوارد على نفس قدسيّة لم تتدّنس بأدناس الجاهليّة و عبادة الأصنام و الاعتقادات الباطلة المضادّة للحقّ الّتي صارت ملكات في نفس من أسلم بعد علوّ السنّ.فكان ايمانه باللّه و رسوله واردا على نفس صاف لوحها عن كدر الباطل فهي المنتقشة بالحقّ متمثّلة به.و كانت غاية إسلام غيره أن يمحو على طول الرياضة من نفوسهم الآثار الباطلة و ملكات السوء فأين أحدهما من الآخر؟
الثامنة:
استعارة مرشحة كونه عليه السّلام يرى نور الوحى بالرسالة و يشمّ ريح النبوّة ،و سماعه لرنّة الشيطان.و هذه أعلى مراتب الأولياء،و استعار لفظ النور لما يشاهده بعين بصيرته الباقية من أسرار الوحى و الرسالة و علوم التنزيل و دقايق التأويل و إشراقها على لوح نفسه القدسيّة،و وجه الاستعارة كون هذه العلوم و الأسرار هادية في سبيل اللّه إليه من ظلمات الجهل كما يهدى النور من الطرق المحسوسة،و رشّح تلك الاستعارة بذكر الرؤية لأنّ النور حظّ البصر،و كذلك استعار لفظ الريح لما أدركه من مقام النبوّة و أسرارها،و رشّح بذكر الشمّ لأنّ الريح حظّ القوّة الشامّة ،و أمّا سماعه لرنّة الشيطان فقد علمت كيفيّة سماع الإنسان لصوت الملك