شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٧٢ - الفصل الثالث شرح ما لزم الامم الماضية بالكبر و اختبار اللّه عباده ببيته الحرام
«يَأْكُلُ مِنْهٰا» ؟فأجاب عليه السّلام بأنّ ذلك الوهم للجهل بمواقع الفتنة و الاختبار في مواضع الغنى و الإقتار:أى أنّ الاختبار كما يكون بالفقر و المشاقّ و المكاره كذلك يكون بالمال و الولد،و ليس المال و الولد من الخيرات الّتي تعجّل في الدنيا لمن يعطى إيّاهما كما يزعمون ،و استشهد على ذلك بقوله تعالى «أَ يَحْسَبُونَ أَنَّمٰا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مٰالٍ وَ بَنِينَ نُسٰارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرٰاتِ بَلْ لاٰ يَشْعُرُونَ» ١أى يحسبون أنّا نعجّل في تقديم ثواب أعمالهم لرضانا عنهم حتّى بسطناهم الرزق و أكثرنا لهم أولادهم بل لا يعلمون أنّ ذلك استدراج لهم من اللّه و محنة و بلاء.و جهلا نصب على المفعول له .
[و قوله:فإنّ اللّه سبحانه يختبر عباده المستكبرين.إلى قوله:في أعينهم.]
و قوله:فإنّ اللّه سبحانه يختبر عباده المستكبرين.إلى قوله:في أعينهم.
كلام منقطع يستدعى ابتداء يكون معلّلا به.و قد فصّل الرضىّ-رحمه اللّه- بينه و بين ما قبله بصفر لكنّه بيان لنوع آخر من ابتلاء اللّه تعالى عباده المستكبرين في أنفسهم و اختبارهم بأوليائه المستضعفين و هم الأنبياء في أعينهم:أى في أعين المتكبّرين و هو في معنى ما قبله،و فيه تنبيه على بعض أسراره تعالى في خلقه لسائر أنبيائه و أوليائه المستضعفين،و هو أن يبتلى بهم المستكبرين عن عبادته في أرضه كما سيشير إليه عليه السّلام في الحكمة في خلقهم كذلك .ثمّ ضرب مثل ذلك الابتلاء في موسى و هرون عليهما السّلام حين دخلا على فرعون يدعوانه إلى اللّه تعالى،و ذلك قوله:
و لقد دخل.إلى قوله:و لبسه روى الطبرىّ في تاريخه:أنّ موسى و هرون قدما مصر حين بعثهما اللّه إلى فرعون فمكثا سنتين يغدوان على بابه و يروحان يلتمسان الإذن عليه فلا يعلم بهما و لا يجترى أحد أن يخبره بشأنهما و كانا يقولان في الباب:
إنّا رسولا ربّ العالمين إلى فرعون حتّى دخل عليه بطّال له يلاعبه و يضحكه فقال:
أيّها الملك إنّ ببابك رجلا يقول قولا عجيبا،و يزعم أنّ له إلها غيرك.فقال:
أدخلوه.فدخل و بيده عصاه و معه أخوه هرون فقال: «إِنّٰا رَسُولُ رَبِّ الْعٰالَمِينَ» .و ذكر تمام الخبر و صريح قصّتهما و محاورتهما مستوفى في القرآن الكريم كسورة
١) ٢٣-٥٧.