شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٣٢ - كلامه عليه السّلام في صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات
لامتناع لازمه كما في قوله تعالى «لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّٰهُ لَفَسَدَتٰا» ١و قد استعمله عليه السّلام هنا بالوجه الثاني من الوجهين الأوّلين،و استدلّ على أنّ الخلق لم يرجعوا إلى طريق اللّه عن غيّهم و جهالاتهم و لم يخافوا من وعيده بعذاب الحريق في الآخرة لأنّهم لم يفكّروا فيما عظم من قدرته في خلق مخلوقاته و عجائب مصنوعاته و ما جسم من نعمته على عباده، مجاز و يحتمل أن يريد بالقدرة المقدور مجازا إطلاقا لاسم المتعلّق على المتعلّق،و كان ذلك من باب الاستدلال بعدم العلّة على عدم المعلول.إذ كان الفكر في ذلك سببا عظيما في الجذب لهم إلى اتّباع شريعته و سلوك سبيله إليها،و إليه الإشارة بقوله تعالى «أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ مِنْ شَيْءٍ» ٢و قوله «أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمٰاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنٰاهٰا» ٣الآية و نحوه .
و قوله: و لكنّ القلوب .إلى قوله: مدخولة .
بيان لعدم العلّة المذكورة منهم و هو الفكر،و أشار إلى عدمها بوجود ما ينافي وجود شرطها.إذ كان كون القلوب عليلة و كون الأبصار معيبة ينافيان صحّتها و سلامتها الّذين هما شرطان في وجود الفكر الصحيح،و مع وجود المنافى لصحّة قلوبهم و سلامة أبصار بصائرهم لا يحصل الصحّة الّتي هى شرط الفكر فلا يحصل الفكر فلا يحصل معلوله و هو الرجوع إلى اللّه،و علل القلوب و ما يلحق إبصار البصائر من العيوب يعود إلى الجهل و أغشية الهيئات البدنيّة و الأخلاق الرديئة المكتسبة من جواذب الشهوات إلى خسايس اللذّات المغطّية لأنوار البصائر الحاجبة عن إدراك واضح الطريق الحقّ .
و قوله: أ لا ينظرون .إلى قوله: البشر .
تنبيه لهم على بعض مخلوقاته تعالى و مقدوراته الّتي أشار إلى عظمة القدرة فيها.و أحسن بهذه الترتيب و التدريج الحسن فإنّك علمت من آداب الخطيب إذا أراد القول في أمر نبّه عليه أوّلا على سبيل الإجمال بقول كلّىّ ليستعدّ السامعون
١) ٢١-٢٢.
٢) ٧-١٨٤.
٣) ٥٠-٦.