شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٢٤ - عهده عليه السّلام إلى محمّد بن أبى بكر لمّا قلّده مصر
الجبابرة المتكبّرين مع ما فضّلوا به من الحصول على آجل الآخرة الّذي لم يشاركهم أهل الدنيا فيه كقوله تعالى «وَ مَنْ كٰانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيٰا نُؤْتِهِ مِنْهٰا وَ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ » ١و أمّا الزاد المبلّغ لهم إلى ساحل العزّة و حضرة الجلال فهو التقوى الّذى اتّصفوا به كما قال تعالي «وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّٰادِ التَّقْوىٰ» ٢و قد علمت معنى كونه زادا غير مرّة. استعارة مرشحة و استعار للتقوى و الطاعة لفظ المتجر باعتبار كون الغاية المقصودة منها استعاضة ثواب اللّه المشبه للثمن،و رشّح بذكر المربح:
أى المكسب للربح،و ذلك باعتبار زيادة فضل ثواب اللّه في الآخرة على ما بذله العبد من نفسه من العمل .
و قوله:أصابوا لذّة زهد الدنيا.
إشارة إلى بعض ما يزود به من اللذّات في الدنيا و هو لذّة الزهد.إذ كان لهم بطرح الدنيا عن أعناق نفوسهم و وصولهم بسببه إلى ما وصلوا إليه من الكمالات العالية ابتهاجات عظيمة أجلّ و أعلى ممّا يعده المترفون و المتكبّرون لذّة و خيرا.
و هم الّذين يحقّ لهم أن يتكبّروا على المتكبّرين.إذ كان الكمال الّذي به تكبّر المتكبّرون أمرا خاليا ضعيفا بالقياس إلى الكمال الحقّ الّذي حصل عليه هؤلاء.
و قوله:و تيقّنوا أنّهم جيران اللّه غدا.
أى يوم القيامة،و هو إشارة إلى جهة فرحهم بجوار اللّه و التذاذهم به المضاف إلى ما أصابوه من لذّة زهد الدنيا و تلك الجهة هى ما حصلوا عليه من اليقين باللّه و الوصول التامّ إليه بعد مفارقة الأبدان،و ذلك معنى جواره.
و قوله:لا تردّ لهم دعوة.
إشارة إلى بعض فضائلهم الّتي انفردوا بها أيضا المتفرّعة على كمال نفوسهم و كرامتهم عند اللّه اللازمة عن لزوم طاعته و هو كونهم مجابى الدعوة مع ما شاركوا غيرهم فيه من تمام اللذّة في الدنيا و انفردوا به من تمامها في الآخرة.
١) ٤٢-١٩.
٢) ٢-١٩٢.