شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٢٥ - عهده عليه السّلام إلى محمّد بن أبى بكر لمّا قلّده مصر
الرابع :تحذيرهم من الموت و قربه و تنبيههم على غايته من ذلك التحذير و هو أن يعدّوا له عدّته الّتي يلقى بها و لا يكون كثير ضرر و قد علمت أنّه التقوى و العمل الصالح،و أكّد الأمر بإعداد عدّته بالتنبيه على عظم ما يأتي به من الأمر و الخطب الجليل،و أشار إلى أنّ ذلك الأمر قد يكون خيرا خالصا دائما و قد يكون شرّا خالصا دائما لتشتدّ الرغبة و تقوى في إكمال العدّة المستلزمة لتحصيل ذلك الخير و لدفع ذلك الشرّ.ثمّ نبّه على أنّ ذلك الخير الّذى يأتي به الموت هو الجنّة و ذلك الشرّ هو النار و أنّ المقرّب إلى كلّ منهما و المستلزم للحصول عليه هو العمل له بقوله :فمن أقرب.إلى قوله:عاملها.ثمّ نبّه بقوله:و أنتم.إلى قوله:خلقكم.على أنّ هذا الأمر المستعقب لإحدى هاتين الغايتين العظيمتين و هو الموت لا بدّ من لقائه ليتأكّد الأمر عليهم بالاستعداد له.و استعار لهم لفظ الطرداء ملاحظة لشبههم بما يطرد من صيد و نحوه و لشبههه بالفارس المجدّ في الطلب الّذي لا بدّ من إدراكه الطريدة،و ظاهر أنّه ألزم لكلّ امرء من ظلّه.إذ كان ظلّ المرء قد ينفكّ عنه حيث لا ضوء و الموت أمر لازم لا بدّ منه.
كناية و قوله: و الموت معقود بنواصيكم .
كناية عن لزومه و كونه لا بدّ منه من اقتضاء:أى مشدود و مربوط بنواصيكم و ذلك الربط إشارة إلى حكم القضاء الإلهى به و كونه ضروريّا للحيوان ،و إنّما خصّ الناصية لأنّها أعزّ ما في الإنسان و أشرف،و اللازم لها أملك له و أقدر على ضبطه.و نحوه قوله تعالى «فَيُؤْخَذُ بِالنَّوٰاصِي وَ الْأَقْدٰامِ» ١استعارة و استعار لفظ الطىّ لتقضّى أحوال الدنيا و أيّامها الّتي يقطعها الإنسان وقتا فوقتا ملاحظة لشبه أحوالها بما يطوى من بساط و نحوه،و ظاهر أنّ ذلك الطىّ من خلفهم خلفا خياليّا بالنسبة إلى ما يستقبلونه من أحوالها بوجوه هممهم .ثمّ لمّا كرّر ذكر الموت و أكّد لزومه بطىّ الدنيا رجع إلى التحذير من غايته و هى النار و وصفها بأوصافها ليشتدّ الحذر منها و هى بعد قعرها.و ممّا ينبّه عليه ما روى أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سمع هدّة فقال
١) ٥٥-٤١.