شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٣٧ - كلامه عليه السّلام في صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات
فطر تلك الفطرة فاطر أو يعينه على لطيف خلقها قادر فسبحانه ما أعظم شأنه و أبهر برهانه.
و قوله :و لو ضربت.إلى قوله:النخلة.
أى لو سارت نفسك في طرق فكرها و مذاهب نظرها،و هى الأدلّة و أجزاء الأدلّة من المقدّمات و أجزائها المستنبطة من عالم الخلق و الأمر لتصل إلى غايات فكرك في الموجودات لم يمكن أن يدلّك دليل إلاّ على أنّ خالق النملة على غاية صغرها و خالق النخلة على عظمها و طولها واحد و هو المدبّر الحكيم.
و قوله:لدقيق تفصيل كلّ شيء.إلى قوله:حىّ.
إشارة إلى أوسط الحجّة على ما ادّعاه من اشتراك النملة و النخلة في الاستناد إلى صانع واحد مدبّر حكيم ،و معنى ما ذكر أنّ لكلّ شيء من الموجودات الممكنة تفصيل لطيف دقيق و اختلاف شكل و هيئة و لون و مقدار و وجوه من الحكمة تدلّ على صانع حكيم خصّصه بها دون غيره،و تقرير الحجّة أنّ وجود النملة و النخلة اشتمل كلّ منهما على دقيق تفصيل الخلقة و غامض اختلاف شكل و هيئة و كلّ ما اشتمل على ذلك فله صانع مدبّر حكيم خصّصه بذلك فينتج أنّهما يشتركان في الحاجة إلى صانع مدبّر حكيم خصّ كلاّ منهما بما يشتمل عليه،و هذه الحجّة هى المسمّاة في عرف المتكلّمين بالاستدلال بإمكان الصفات كما بيّناه قبل في قوله:الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه.
و قوله :و ما الجليل و اللطيف.إلى قوله:سواء.
مؤكّد لما سبق من الدعوى،و كاسر لما عساه يعرض لبعض الأوهام من استبعاد نسبة الخلقة العظيمة و الخلقة اللطيفة الحقيرة كالنملة إلى صانع واحد.فأشار إلى أنّ كلّ المخلوقات و إن تباينت أوصافها و تضادّت صورها و أشكالها فإنّه لا تفاوت بالنظر إلى قدرته و كمالها بين أن يفيض عنه صورة النخلة أو صورة الذرّة،و ليس بعضها بالنسبة إليه أولى و أقرب من بعض،و لا هو أقوى بعضها من بعض و إلاّ لكان ناقصا في ذاته،و كان بما هو أولى به مستفيدا كما لا يفوته بعدمه عنه،و قد ثبت