منتخب الاثر فی الامام الثاني عشر علیهالسلام - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ٢٧٩ - الفصل الحادي و الثلاثون في أنّه عليه السلام طويل العمر جدّا
قلا مشاحة في أنّ العمل و العادات و الاعتدال من العوامل الرئيسة لإطالة العمر، فالإفراط في كلّ أمر مع الانحراف عن النظام الطبيعيّ هو سبب تقصير أعمارنا... الخ.
و الغرض من ذلك كلّه أنّ مسألة طول العمر ليست من المسائل التي وقعت موقع إنكار العلماء و أرباب المذاهب و الأديان، بل قرّره كلّ واحد منهم من طريق فنّه و علمه، أو من طريق دينه و مذهبه، فكلّما كان الإنسان بقواعد حفظ صحّة البدن أعرف يكون عمره أطول، و كلّما كان أسباب تقصير العمر أكثر يكون نصيبه من حياته أقل و عمره أقصر، قال بعض الأطبّاء: «الموت ينشأ عن المرض لا عن الشيخوخة» ، و الأمراض تنشأ من أسباب كثيرة، ليس بعضها تحت اختيار الإنسان نفسه كجهل آبائه و امّهاته بقواعد حفظ الصحّة و عدم رعايتهم لها، فإنّ لسلامة مزاج الوالدين دخلا عظيما في اعتدال مزاج طفلهما، و هكذا رعايتهما لآداب النكاح و قواعده، و هكذا حسن تربيتهما له، و كسوء البيئة و فساد المحيط و غيرها، و بعضها تحت اختياره، فهو متمكّن عن إزالته، و ذلك مثل الإفراط في الأكل و الشرب، و عدم الترتيب و النظم الصحيح في الأفعال و أعمال الغرائز و القوى ممّا يوجب الاختلال في المزاج، و مثل الأخلاق الرذيلة و الصفات السيّئة و المعتقدات الباطلة، فإنّها تورث الاضطرابات الروحيّة، و الابتلاء بالوساوس الخبيثة الّتي لا تدع نفس الانسان في طمأنينة و سكون، فلو أنّ إنسانا سدّ هذه الأبواب، و تسلّط على جميع ذلك ممّا يدخل النقص في بدنه و عمره، و اعتدل في مأكله و مشربه و ملبسه و مسكنه و غيرها، لما كان لعمره و حياته حدّ، و لا يمتنع بحسب القواعد العلميّة بقاؤه أبدا. نعم ثبت بأخبار الأنبياء أن لا بدّ لكلّ نفس أن تذوق الموت، و أنّ كلّ شيء فان، و أينما تكونوا يدرككم الموت، و لكن هذا لا ينفي تعمير الانسان ألوفا من السنين و أزيد.
و نختم الكلام في هذا الموضوع بذكر مقالة نقلت في (المهديّ) و غيره عن مجلّة «المقتطف» في الجزء الثالث من السنة التاسعة و الخمسين في ذيل عنوان: (هل يخلد الإنسان في الدنيا؟) .
و قالت: ما هي الحياة و ما هو الموت، و هل قدّر الموت على كلّ حيّ؟
كلّ حبّة حنطة جسم حيّ، و قد كانت في سنبلة، و السنبلة تنبت من حبّة اخرى، و هذه من سنبلة، و هلمّ جرّا بالتسلسل، و يسهل استقصاء تاريخ ستّة آلاف سنة أو أكثر، فقد وجدت حبوبه بين الآثار المصريّة و الآشوريّة القديمة، دلالة على أنّ المصريّين و الآشوريّين و الأقدمين كانوا يزرعونه، و يستغلّونه، و يصنعون خبزهم من دقيقه،