فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢١٢ - في رحاب المكتبة الفقهية ــ دراسة منهاجية لکتاب غُنية النّزوع في علمي الاُصول والفروع الشيخ خليل الكريواني
ونرى أنّ مَن تلا ابن إدريس کالکيدري وغيره قد أولوا عناية لآراء ابن زهرة الغنية ؛ فإنّ الکيدري قد أفاد في مواضع عديدة من کتابه ( إصباح الشيعة ) من تقسيمات الغنية ، وأورد فيه مطالب وکتباً وفصولاً بعينها (٦٧) .
وفي هذا الإطار نرى أنّ الإجماعات المنقولة في الغنية قد وقعت محلاً للنقض والإبرام بين المتأخّرين .
وممّا يکشف عن المکانة الرفيعة لهذا الکتاب بنظر العلماء والمحقّقين في المجال الفقهي هو ما أشرنا إليه قبلُ من اعتماد الغنية کتاباً تدريسياً في الحوزات العلمية سابقاً ، وکذا الاهتمام بترجمتها وتلخيصها کما سوف تأتي الإشارة إليه لاحقاً .
ويعتقد بعض المحقّقين بأنّ أهمّ دور لکتاب الغنية في تاريخ الفقه وفقهاء ذلك العصر هو ظاهرة التفکير الحرّ التي کان يتمتّع بها المؤلّف وبُعده عن تقليد الفقهاء الآخرين کالشيخ الطوسي ؛ فإنّ الفقه الإمامي بعد وفاة الشيخ الطوسي قد مرّ بفترة من الرکود لحقب زمنية ، والحالة الطاغية علي الجوّ الفقهي ما يربو علي القرن هو اقتصار تلامذة مدرسة الشيخ علي نقل آرائه في کتبهم ، ويندر أن يُفتي فقيه بخلاف نظر الشيخ الطوسي ، ولهذا السبب أنّ فقهاء تلك الفترة قد سُمّوا بـ ( المقلّدة ) ، واستمرّ الأمر بهذا الحال حتي القرن السادس ومجيء بعض الفقهاء من أمثال ابن زهرة وابن إدريس الذين کسروا هذا الحاجز ، فمع مراعاتهم لمنزلة الشيخ الطوسي تصدّوا لمخالفته ونقد آرائه ؛ ومن هنا اُطلق علي هذه المرحلة بمرحلة النقد (٦٨) .
آراء الغنية ومخالفة المشهور :
إنّ من آثار حالة التفکير الحرّ لصاحب الغنية وشجاعته في مقام بيان الفتوى ما طرحه من الآراء المخالفة للمشهور أو الشاذّة ، نُشير لبعضها فيما يلي :
(٦٧) کنموذج اُنظر : الكيدري ، قطب الدين محمّد بن الحسين ، إصباح الشيعة بمصباح الشريعة : ٣٤٦ ، ٣٥٦ . ابن زهرة ، حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي ، غنية النّزوع في علمي الاُصول والفروع : ٢٩٨ ، ٢٣٨ .
(٦٨) الطباطبائي المدرّسي ، حسين ، مقدّمة لفقه الشيعة : ٥١ .