فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٤١ - دراسات مقارنة في فقه القرآن ــ إرث الأنبياء /٢ الشيخ خالد الغفوري
ويختلف الحال عند تقدير العبارة صفة عن تقديرها جواباً من النواحي اللفظية في الإعراب؛ لأنّ الفعل إذا كان صفة فهو مرفوع، وإذا كان جواباً يتعيّن جزمه، وقد ورد في قراءته كلا الوجهين، كماتقدّم (٨) .
أمّا بناءً على تقدير كون الجملة جواباً للدعاء فيتضح إرادة وراثة المال فيما إذا لاحظنا قصّة زكريا (عليه السلام) في موضعها القرآني الآخر ، وهو قوله: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً } (٩) نفهم أنّه لم يسأل ربه إلا ذرّية طيّبة ، فمراده الولد، وهو المقصود الأصلي بالدعاء .
وأفضل الأساليب في فهم القرآن ما كان مرتكزاً على القرآن نفسه ، وهذا ما يُصطلح عليه بمنهج تفسير القرآن بالقرآن .
وفي ضوء ذلك نفهم من هذه الآية أنّ زكريا (عليه السلام) كان مقتصداً في دعائه ، ولم يطلب من ربه إلا ذرّية طيّبة ، وقد جمع القرآن الكريم دعاء زكريا (عليه السلام) في جملة واحدة تارة ، وجعل لكلّ من الذرّية ووصفها دعوة مستقلّة في موضع آخر ، فكانت جملة { فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً } طلباً للذرّية وجملة { وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً } دعوة بأن تكون الذرّية طيّبة ، وإذا جمعنا هاتين الجملتين أدّت نفس المعنى الذي تفيده عبارة : {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً } ، وتخرج كلمة { يَرِثُنِي } بعد عملية المطابقة بين الصيغتين القرآنيتين عن حدود الدعاء ، وإلا فلو كان للإرث دخل في الدعاء للزم ذكره .
وعلى ذلك يتضح أنّ كلمة الإرث في الآية قد اُعطيت حقّها من الاستعمال واُريد بها إرث المال لا لإرث النبوّة ؛ لأنّ الشيء إنّما يصح جواباً للدعاء فيما إذا كان ملازماً للمطلوب ومتحقّقاً عند وجوده دائماً أو في أكثر الأحايين، ووراثة النبوة ليست ملازمة لوجود الذرّية إطلاقاً، بل قد لا تتفق في مئات الملايين من الأشخاص؛ لما يلزم في هذا المقام من كفاءة فذّة وكمال عظيم، فلا يجوز
(٨) اُنظر: الصدر، محمّد باقر ، فدك في التاريخ: ١٧٧ ـ ١٧٨.
(٩) آل عمران : ٣٨ .