رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٢١٢
العلماء . فقال له : ويحك! هذه نصيحة ؛ ليس هذا غِيبَة [١] . وهذا أمر واضح لا مِرْيةَ فيه ، بل هو من فروض الكفايات ، كأصل المعرفة بالحديث . (نعم ، يجب على المتكلّم في ذلك التثبُّت) في نظره وجرحه ؛ (لئلاّ يقدح في) بريءٍ (غير مجروح بما ظنّه جرحا) فيجرح سليما ، ويَسِمَ بريئا بِسِمةِ سُوءٍ تُبقي عليه الدهرَ عارَها . (فقد أخطأ في ذلك غيرُ واحد) فطعنوا في أكابر من الرواة استنادا إلى طعن وَرَدَ فيهم له محْمَلٌ ، أو لا يثبت عنهم بطريق صحيح . ومن أراد الوقوف على حقيقة الحال فليُطالع كتاب الكشّي رحمه الله في الرجال . (وقد كفانا السلف) الصالح من العلماء بهذا الشأن (مؤنة الجرح والتعديل غالبا) في كتبهم التي صنّفوها في الضعفاء ، كابن الغضائري ، أو فيهما معا كالنجاشي ، والشيخ أبي جعفر الطوسي ، والسيّد جمال الدين أحمد بن طاووس ، والعلاّمة جمال الدين بن المطهّر ، والشيخ تقيّ الدين بن داود ، وغيرهم . (ولكن ينبغي للماهر) في هذه الصناعة ومَنْ وهَبه اللّه تعالى أحسنَ بِضاعةٍ (تدبّر ما ذكروه) ومراعاة ماقرّروه (فلعلّه يظفر بكثير ممّا أهملوه ، ويطّلع على توجيهٍ) في المدح والقدح قد (أغفلوه) ، كما اطّلعنا عليه كثيرا ، ونبّهنا عليه في مواضع كثيرة وضعناها على كتب القوم ، (خصوصا مع تعارض الأخبار في الجرح والمدح) فإنّه وقع لكثير من أكابر الرُواة . وقد أودعه الكشّي في كتابه من غير ترجيحٍ ، وتَكَلَّم من بَعْدَه في ذلك ، واختلفوا في ترجيح أيّهما على الآخر اختلافا كثيرا . فلا ينبغي لمن قدر على البحث تقليدهم في ذلك ، بل يُنفِقُ ممّا آتاه اللّه تعالى ، فلكلّ مجتهد نصيب ؛ (فإنّ طريق الجمع بينهما ملتبس على كثير ، حَسَبَ
[١] حكاه الخطيب البغدادي في الكفاية : ٤٤ باب وجوب تعريف المزكّي ما عنده من حال المسؤول عنه ؛ والسخاوي في فتح المغيث ٤ : ٣٦٢ .[٢] كذا ، والأنسب «لا تغتب» .[٣] حكاه الخطيب البغدادي في الكفاية : ٤٥ باب وجوب تعريف المزكّي ما عنده من حال المسؤول عنه ؛ وفتح المغيث ٤ : ٣٥٦ .