موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٢٢٨
و تدفقت عاطفته، ثم استولت عليه موجة من الغيظ صاح على أثرها بولده «انزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم، فأن مانعوكم فاضربوهم و خرّقوا ما عليهم من سواد [١] . »
و قد قام سليمان بن أبي جعفر نفسه بتجهيز الأمام من عنده، فغسله و كفنه، و لفه بحبرة كتبت عليها آيات القرآن الكريم بأجمعها، و قد كلفت ألفين و خمس مئة دينار. و هرعت بغداد الى تشييع الأمام عن بكرة أبيها، فكان يوم التشييع يوما مشهودا حافلا خرج فيه الصالح و الطالح و البر و الفاجر. و سار الموكب الحزين يجوب الشوارع وراء النعش يتقدمه الرشيد نفسه و هو واجم حزين، يترحم على الأمام و يظهر البراءة من دمه، و من خلفه البرامكة و كبار الموظفين و المسؤولين من رجال الحكم و معهم سليمان ابن أبي جعفر حافي القدمين. و كان من خير ما قيل من الشعر في هذا الخطب الجلل الأبيات الآتية:
قد قلت للرجل المولى غسله # هلا أطعت و كنت من نصحائه
جنّبه ماءك ثم غسلّه بما # أذرت عيون المجد عند بكائه
و أزل أفاويه الحنوط و نحّها # عنه و حنطّه بطيب ثنائه
و مر الملائكة الكرام بحمله # كرما ألست تراهم بأزائه
لا توه أعناق الرجال بحمله # يكفي الذي حملوه من نعمائه
و كانت الجماهير و هي تسير الى محلة باب التبن حيث تقع مقابر قريش، تتسابق الى حمل النعش و تتبرك به، حتى أوصلته الى حيث حفر له القبر.
و قد أنزله في مقره الأخير سليمان ابن أبي جعفر المنصور أيضا و هو مذهول اللب، و بعد الانتهاء من مراسيم الدفن أقبلت عليه الناس تعزيه و تواسيه
[١] عيون اخبار الرضا