تاريخ معالم المدينة المنورة قديماً و حديثاً - الخياري، أحمد ياسين - الصفحة ٩٤ - ١٨-أسطوانة التوبة أو أسطوانة أبي لبابة رضي الله عنه
القرآنية؛ و هي قوله تعالى: وَ آخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صََالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اَللََّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [١] .
و كان نزول هذه الآية الكريمة على رسول الله صلى اللّه عليه و سلم في آخر الليل وقت السحر، فقام الرسول يضحك لفرحه بها، فقالت له السيدة أم سلمة رضي الله عنها، و كان عندها و في منزلها و في ليلتها: «أضحك الله سنك يا رسول الله» . فقال لها عليه الصلاة و السلام: «لقد تيب على أبي لبابة» . فلما علم الناس بتوبة أبي لبابة ساروا إليه ليطلقوه، فقال لهم: لا و الله حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقني بيده. فلما مر عليه رسول الله صلى اللّه عليه و سلم و هو خارج من منزله صلاة الصبح أطلقه بيده الكريمة. و كان- رضي الله عنه-قد أقام ست ليال مرتبطا بالجذع تأتيه امرأته في كل وقت صلاة فتحله للصلاة، ثم يعدو إلى الجذع فتربطه به.
و كان السر في هذا الموقف العظيم الخطير هو أن اليهود [٢] بعثوا إلى رسول الله صلى اللّه عليه و سلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر لنستشيره في أمرنا. فأرسله رسول الله صلى اللّه عليه و سلم إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال و جهش إليه النساء و الصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم قلبه رضي الله عنه.
و قالوا له: أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟قال لهم: نعم، و أشار بيده إلى حلقه أنه الذبح. قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله و رسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، و لم يأت رسول الله حتى ارتبط في المسجد النبوي الشريف إلى عمود من عمده، و قال: لا أبرح من مكاني حتى يتوب الله علي مما
[١] سورة التوبة، الآية: ١٠٢.
[٢] هم يهود بني قريظة.