بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦٥ - الجهة الثانية في تشخيص الواضع
فانفتح بذلك عليه باب الخيرات، فلا يحتاج تفسير ذلك إلى إلهام مباشر من قبل اللّه تعالى.
الاستبعاد الثاني: و هو مبني على مسالك الأعلام في باب الوضع، من كون الوضع عبارة عن التعهد، أو عبارة عن كون اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى:
حينئذ يقال: بأنه لو كان الإنسان هو الواضع فهذا معناه أنّ الإنسان قبل أن يتكلم بأي كلام، اتصف بصفة الواضعية، يعني صار واضعا قبل أن يصير مستعملا، لأن الإنسان إذا كان هو الواضع، فمعنى هذا أنه قبل أول وضع لا استعمال لا محالة، لأن الاستعمال دائما في طول الوضع. إذن فالإنسان كان في وقت ما صامتا ساكتا لا يستعمل أصلا، و لا يتكلم بشيء، ثم وضع ألفاظا للمعاني، فأصبح يتكلم حينئذ، و أصبح يستعمل هذه الألفاظ في هذه المعاني.
حينئذ نسأل: كيف وضع هذا الإنسان؟.
وضع بالتعهد، أو بالاعتبار! بهذه المعاني الدقيقة التي هي موقوفة على أن يكون الإنسان له مرتبة عالية من التصرف في المعقولات و المحسوسات، بحيث ينشئ ملازمات و تعهدات و اعتبارات ما بين الألفاظ و المعاني!.
و من البعيد جدا، أن الإنسان يصل إلى هذه الدرجة الذهنية، و العقلانية، بحيث يصدر منه التعهدات و التنزيلات الاعتبارية، و هو بعد حتى الآن لا يملك لغة، فهو صامت ساكت لا يتكلم مع أحد، إلى أن يبلغ هذه المرتبة من التعقل و التفكر و التفلسف، حينئذ بعد هذا يضع الألفاظ للمعاني، و يشرع في الكلام.
و من البعيد جدا تصور الإنسان قبل أن يتكلم بأي شيء، أنه كان مركزا للاطلاعات و لأفكار عالية بهذه الدرجة و الترتيب، و من كانت له أفكار عالية بهذا الترتيب كيف بقي ساكتا طول هذه المدة؟. أ لم ينقدح حينئذ في نفسه أمور و رغبات و حاجات؟!. و هذا بخلاف، ما إذا قلنا: بأن هذه المعاني العقلانية (الدقيقة، قام اللّه تعالى بعهدتها، و ليس الإنسان منشئا لها، لأن اللّه