بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٦٤ - الوجه الثالث
المفترس. و لهذا كان وضعا نوعيا، لأن الواضع لم يضع كل لفظ لكل معنى من معانيه المجازية، بل بنحو واحد وضع كل لفظ لما يناسب معناه الحقيقي.
فيكون عندنا وضعان: وضع للحيوان المفترس بعنوانه الأصلي، و وضع للرجل الشجاع لا بعنوانه، بل بما هو مناسب، و مشاكل للحيوان المفترس.
و يرد على هذا الوجه:
لزوم العرضية بين الدلالتين: بين دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي، و دلالته على المعنى المجازي. و لا يمكن تصوير كون دلالة اللفظ على المعنى المجازي أنها فرع عدم تمامية دلالته على المعنى الحقيقي، لأن حال اللفظ بناء على هذا الوجه يكون حال لفظ له معنيان في عرض واحد يستوجب عرضية الدلالتين، فلما ذا تكون دلالة اللفظ على المعنى المجازي في طول بطلان دلالته على المعنى الحقيقي!. بل بناء على هذا الوجه، لا يمكن أيضا تصوير الطولية بين نفس المعاني المجازية، مع أنه لا إشكال في أن دلالة اللفظ على المعنى المجازي الفلاني، إنما هو في طول عدم تمامية دلالته على المعنى المجازي الأقرب. فإذا كان ميزان الدلالة هو الوضع، و الوضع نسبته إلى تمام المعاني المجازية على حد واحد، إذن كيف نتصور الأقربية و الأبعدية!. فهذا الوجه غير تام لأنه لا يفسّر طولية المعاني المجازية بالنسبة إلى المعنى الحقيقي في عالم الدلالة، و لا يفسّر الطولية في نفس المعاني المجازية بعضها مع بعض.
الوجه الثالث:
و يقال في هذا الوجه: إنّ العناية الزائدة هي عبارة عن أن قدماء اللغة و مؤسسيها، قد فتحوا باب المجاز، و استعملوا اللفظ في المعاني المجازية، فلو فرض أن قدماء اللغة قد استعملوا اللفظ في المعنى المجازي، صحّ لنا أن نستعمل، و إذا لم يكونوا قد استعملوه، فلا يصح لنا أن نستعمل.