بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٤٠ - الاعتراض الثاني
الاعتراض الثاني:
و هذا الاعتراض مبني على مسلكه في باب الوضع، حيث ذهب إلى أنّ الوضع عبارة عن التعهد، و من الواضح أنّ الواضع لا يتعهد إلّا بما يكون تحت مقدوره و اختياره. أمّا ما لا يكون تحت الاختيار، فلا معنى للتعهد به، و على هذا فالنسبة بين (زيد) و (عالم) ليست تحت اختيار الواضع، و لا تحت اختيار المستعمل، فلا يستطيع الواضع أو المستعمل أن يجعل زيدا عالما و بكرا جاهلا، فمثل هذا التعهد فضولي، لأنه خارج عن الاختيار، و ما يمكن أن يكون تحت الاختيار و يتعهد به، إنما هو أمر نفساني، و هو قصد الحكاية عن علم زيد مثلا، فهو مطلب يرجع إلى الواضع أو المستعمل، فيمكنه أن يتعهد به.
و هذا الاعتراض غريب، لأننا إذا جارينا هذا الطراز من التعبير، فحينئذ ما ذا نقول عن الحروف التي قال السيد الأستاذ فيها: إنها موضوعة لتحصيص المفاهيم الاسمية!. فهل إن التحصيص تحت الاختيار حينما نقول مثلا:
الإنسان في السماء ممكن؟. و ما ذا نقول عن المفاهيم الإفرادية.
فمثلا كلمة (زيد) موضوعة لابن خالد، فهل إنّ ابن خالد تحت اختيار الواضع؟. و حلّ هذه المغالطة بناء على مسلك التعهد، أنه لا إشكال في أن المتعهّد به، و ما هو تحت الاختيار، هو أمر نفساني دائما، ففي الكلمات الإفرادية (زيد، أو نار) المتعهّد به هو القصد النفساني، هو قصد انتقاش صورة زيد في ذهن السامع، تصورا، أو إخطار صورة النار في ذهن السامع تصورا و معنى قولنا إنّ (من) موضوعة للتحصيص، أنه تعهدنا بأن نقصد إخطار صورة التحصيص تصورا في ذهن السامع. و حينئذ في الجملة التامة (زيد عالم) المشهور يقولون إنّها موضوعة للنسبة، و هذا لا ينافى التعهد، إذ لو قلنا بالتعهد، فمرجع هذا إلى أن الواضع تعهد بأن يقصد إخطار صورة هذه النسبة تصورا في ذهن السامع، و هذا أمر معقول.