بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩٠ - تحقيق الكلام في الحيثية الثانية
ذلك المعنى، و هذه الغلبة العقلائية أمر ارتكازي في الأذهان العرفية و العقلائية، فتحسب من قبيل القرائن المتصلة التي توجب ظهورا في الكلام، كاشفا كشفا تصديقيا عن هذه الإرادة، و القرائن المتصلة سواء أ كانت ارتكازية، أو لفظية، تشكّل ظهورا في اللفظ، و هذا الظهور دلالته تصديقية، و ليست تصورية، إلّا أن هذه الدلالة التصديقية، ليست وضعية، بل هي دلالة بعد الوضع، و مترتبة عليه.
تحقيق الكلام في الحيثية الثانية:
هل إنّ الدلالة الوضعية هي في طول الإرادة؟. فحيث لا إرادة في نفس المتكلم فلا دلالة للفظ على المعنى؟.
أو أنّ الدلالة محفوظة سواء أ كان المتكلم مريدا أو غير مريد؟.
في تحقيق هذا المطلب يقال: بأننا تارة نبني على مسلك التعهد في باب الوضع، و أخرى نبني على غير مسلك التعهد.
فإن بنينا على التعهد فلا يعقل تبعية الدلالة للإرادة، لأنّ التعهد يقتضي كما بينا أن تكون الدلالة الوضعية تصديقية، و يطلب من اللفظ أن يكون كاشفا عن الإرادة، و حينئذ كيف يعقل أن يقال: بأن كاشفية اللفظ عن الإرادة فرع وجود الإرادة، لأن ذلك معناه أن نحرز من الخارج وجود الإرادة، و مع الإحراز أصبح اللفظ كاشفا عن الإرادة، و مثل هذا الكشف لا محصّل له لأنه كشف لما هو مكشوف، فلا معنى لأن تكون الدلالة الوضعية منوطة بوجود الإرادة بل هي بنفسها تكشف عن وجود الإرادة. فالتبعية بناء على مسلك التعهد أمر غير معقول.
أما بناء على مسلك الاعتبار، و كون الوضع هو إيجاد علقة اعتبارية بين اللفظ و المعنى، فقد يقال كما في كلمات السيد الأستاذ، بأن هذه العلقة الاعتبارية المجعولة من قبل الواضع، لا بدّ من تصويرها بنحو، بحيث تكون الدلالة تابعة للإرادة.