بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩١ - تحقيق الكلام في الحيثية الثانية
و توضيح ما ذكر في تصوير ذلك هو:
إنّ الواضع حينما يضع اللفظ للمعنى له غرض عقلائي، و غرضه هذا هو انتقال ذهن السامع من اللفظ إلى المعنى، لكن ليس مطلقا و كيفما اتفق، بل بشكل مشروط بصورة وجود الإرادة التفهيمية من قبل المتكلم. أمّا الانتقال في غير هذا الظرف المخصوص و المشروط، فهو ليس مشمولا لغرض الواضع.
و بناء على ذلك: فلا بدّ للواضع أن يجعل الوضع على طبق غرضه، فيقيد نفس الوضع بصورة كون المتكلم مريدا لتفهيم المعنى، إذا لو كان الوضع مطلقا، لكان إطلاقه لغوا، لأنه ليس داخلا في غرضه، فلا بد من تقييد الوضع، و مرجع ذلك إلى أن الدلالة تابعة للإرادة، لأن الدلالة فرع الموضوعية، و الموضوعية قيّدت بإرادة التفهيم، فتكون الدلالة موقوفة و تابعة للإرادة.
إلّا أن هذا لبيان غير صحيح، و ذلك لوجهين:
أ- الوجه الأول: و هو مبني على المماشاة مع التصورات المشهورية التي اقتضاها البيان المذكور، و حاصل هذا الوجه: إننا لو سلّمنا بأن غرض الواضع هو الانتقال من اللفظ إلى المعنى في ظرف مخصوص، و هو ظرف وجود الإرادة التفهيمية، و لكن مع هذا لا يلزم محذور جعل الوضع مطلقا، لأن الواضع إذا جعل اللفظ موضوعا للمعنى على الإطلاق، فقد دخل في جعله ظرف إرادة التفهيم أيضا و صار جعله أوسع دائرة من غرضه، باعتبار الإطلاق، و حينئذ:
إن قلنا: بأن الإطلاق مئونة زائدة، يلزم من ذلك إشكال اللغوية، لأن الواضع لما ذا قام بهذه المئونة الزائدة مع أنها غير داخلة في غرضه؟. فبإمكانه أن يجعل الوضع مقيدا.
و إن قلنا: بأن الإطلاق ليس فيه مئونة زائدة، كما هو الصحيح لأن الإطلاق هو مجرد عدم التقييد، فليس فيه مئونة لحاظية زائدة، فلا يشكل على