بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٠٢ - الاعتراض الخامس
لا أصل لها، فإنّه بحسب الحقيقة اللحاظ الاستقلالي، كذلك يمكن أن يتعلق بالمعنى الحرفي، بحيث يكون تمام التوجه إلى المعنى الحرفي، و ذلك كما لو فرض أن زيدا نعلم بأنه سافر من (كربلاء) إلى (النجف الأشرف)، و لكن لا ندري هل أنه سافر راكبا سيارة، أو سافر ماشيا، فهنا السؤال عن ركوب زيد، إنما هو عن المعنى الحرفي. فتمام التوجه و تمام اللحاظ انصبّ على هذا المعنى الحرفي، و هو ارتباط سفر زيد بالسيارة، أو بغيرها، فالملحوظ استقلالا للسائل، إنما هو المعنى الحرفي. و أمّا أصل سفره فهو معلوم و مفروغ عنه، و معه يكون اللحاظ استقلاليا، و معه لا يصح القول بأن اللحاظ الاستقلالي من مميزات المعنى الاسمي.
و الصحيح ما ذهب إليه المشهور من أنّ المعاني الحرفية لا يعقل اللحاظ الاستقلالي بالنسبة إليها، و كما هو مقتضى مبنى السيد الأستاذ أيضا، فقالوا كما سوف يأتي فيما بعد: من أنّ الفرق بين المعاني الحرفية و الاسمية، فرق ذاتي، و أنّ المعنى الحرفي تبعيته ليست ناشئة من اللحاظ التبعي، بل هي تبعية ذاتية في حاق ذاته و ماهيته، و أن استقلالية المعنى الاسمي، ليست ناشئة من اللحاظ الاستقلالي، بل هي استقلالية ذاتية ناشئة من حاق ماهيته و ذاته. و هذا معناه إنّ المعنى الحرفي سنخ معنى ذاتا، و ماهية، هو تبعي و تعلقي و مرتبط بالغير. و من الواضح أن الوجود سواء أ كان وجودا خارجيا، أو وجودا ذهنيا- و هو المعبّر عنه باللحاظ- هو وجود لتلك الماهية، و إبراز لها على واقعها.
فإذا كانت تلك الماهية سنخ ماهية هي ذاتا حتى في عالم الماهوية و المفهوم هي متعلقة و مرتبطة و ليس لها استقلال، إذن كيف يعقل أن توجد تلك الماهية حقيقة بوجود استقلالي!.
و الحال إنه لا بد من فرض انحفاظ الماهية في كلا نحوي وجودها الذهني و الخارجي، فإذا ما بنينا على أن المعنى الحرفي ماهيته تعلقي يعني تعلّقيته تعلقية ثابتة له حتى في مرحلة الماهية و المفهوم، حينئذ يستحيل أن يكون وجود تلك الماهية الذهني و الخارجي وجودا استقلاليا، لأنّ هذا خلف