بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٠٩ - المسلك الثالث- مسلك التباين
ملاك آخر مغاير للأول، و هو أن يكون بالنظر التصديقي عين الحقيقة، حينئذ نقول، إنّ هذه المفاهيم التي ننتزعها من النار، و الموقد، و العلاقة القائمة خارجا، بعضها ننتزعها من أجل تصحيح إصدار الحكم، من قبيل مفهوم النار، لأن الغرض من انتزاعها ليس هو أن يحترق الذهن، و إنما الغرض هو أن تصحّح إصدار الحكم على النار، فانتزع مفهوم النار استطراقا حتى أحكم عليها بأنها مشتعلة، فغرضي هو الاستطراق إلى تصحيح إصدار الحكم، و هذا الغرض يتأتى بكون المفهوم المنتزع هو عين الحقيقة بالنظر التصوري، و بهذا يعرف أن تمام المفاهيم التي تستحضر من أجل أن يحكم عليها أو بها- يعني النار و الموقد- تنتزع بنحو بحيث تكون عين الحقيقة بالنظر التصوري، و إن كانت مغايرة لها بالنظر التصديقي.
و أما المفاهيم التي تنتزع من العلاقات، كالمفهوم الذي انتزعناه من العلاقة بين النار و الموقد، فهذا المفهوم و أمثاله، ليس الغرض من تحصيله إصدار الحكم عليه، و إنما الغرض أن أنشئ في عالم ذهني- بين النار الموجودة في عالم ذهني، و الموقد الموجود في عالم ذهني- استحكاما و ارتباطا بحيث ترجع هذه المفردات إلى تصور وحداني تركيبي.
إذن فغرضي من انتزاع مفهوم عن هذه العلاقة، ليس مجرد إصدار الحكم عليه، بل أن تحصل في ذهني الخصائص التكوينية لهذه العلاقة، فإنّ من شأنها أن تشدّ شيئا بشيء، و تربط شيئا بشيء، و أنا أريد أن اربط في ذهني بين النار و الموقد.
إذن فالغرض هذا، تعلّق بالحصول على الخصائص التكوينية للحقيقة، لا على مجرد إصدار الحكم عليها، و الحصول على الخصائص التكوينية لا يكون إلّا ما يكون بالنظر التصديقي، فضلا عن التصوري، عين تلك الحقيقة، لأن مجرد العينية بالنظر التصوري لا يكفي لظهور تلك الخصائص التكوينية.
و بناء على هذا، فإن المفاهيم التي تنتزع بإزاء العلاقات بين الأطراف، و التي تكون عين الحقيقة، حتى بالنظر التصديقي، فضلا عن التصوري، هي