بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٠٨ - المسلك الثالث- مسلك التباين
و هذا المسلك له عنوان جامع، و تحت هذا العنوان الجامع وجوه و تصويرات لهذا المسلك، حيث أن هؤلاء المحققين، و إن اتفقوا على عنوان جامع، لكن كل واحد منهم ادّعى أنّ لهذا المسلك تقريبا خاصا، و وجها خاصا، في توضيحه و بيانه.
و لهذا سوف نتكلم أولا في جامع هذا المسلك بنحو يتوضح به حاله، و بعد ذلك، نتكلم في الوجوه التي تنسب إلى كل واحد من أصحاب هذا المسلك.
أما الكلام في تصوير و توضيح هذا المسلك، يتم من خلال عدة مراحل من البيان:
المرحلة الأولى: إننا حينما نواجه قضية خارجية، من قبيل قضية اشتعال النار في الموقد، ننتزع منها مفاهيم عديدة موازية و مطابقة مع الحقائق التي نواجهها في هذه القضية، فننتزع مثلا مفهوم النار، و مفهوم الموقد، و شيئا ثالثا بإزاء العلاقة القائمة بين النار و الموقد.
و نحن إذا لاحظنا جملة من هذه المفاهيم، كمفهوم النار و الموقد، في عالم الذهن، نراها بالنظر التصوري، عين حقائقها، و بالنظر التصديقي غير حقائقها، كما بيّنا ذلك سابقا، و قد بيّنا أيضا أن إصدار الحكم على حقيقة، يكفي فيه ما هو بالنظر التصوري تلك الحقيقة، و لا يحتاج إصدار الحكم إلى إحضار ما هو بالنظر التصديقي عين الحقيقة، و حيث أن مفهوم النار ليس نارا بالنظر التصديقي، فلذلك لا تنشأ في الذهن الخواص التكوينية للنار، كالحرارة و الإحراق، و لهذا لا يحترق الذهن بإحضار هذا المفهوم، لأنّ ظهور الخواص التكوينية تابع لكونه بالنظر التصديقي عين الحقيقة، و هذا بخلاف إصدار الحكم عليه، فإنه يكفي فيه أن يكون بالنظر التصوري عين الحقيقة.
فإذا عرفنا أن تصحيح إصدار الحكم له ملاك، و هو أن يكون بالنظر التصوري عين الحقيقة، و ظهور الخواص التكوينية للحقيقة في عالم الذهن له