بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٨٧ - تحقيق الكلام في الحيثية الأولى
معنى الدلالة التصورية. و لا يفرّق فيه بين أخذ الإرادة قيدا في المعنى الموضوع فيه، و عدم أخذها كذلك:
فإذا كانت الإرادة غير مأخوذة في المعنى الموضوع له، فالواضع كأنه قرن بين صورة اللفظ و صورة ذات المعنى، فمن الواضح حينئذ أن الانتقال انتقال تصوري محض، و أمّا إذا كانت الإرادة مأخوذة قيدا في المعنى الموضوع له فقد يتوهم حينئذ بأن هذا يجعل الدلالة دلالة تصديقية، و لكن هذا غير صحيح. و تفصيل القول في ذلك أن الإرادة المأخوذة في المعنى لا يخلو أمرها من أحد ثلاث احتمالات:
الاحتمال الأول: أن يكون المأخوذ في المعنى مفهوم الإرادة الكلي، بمعنى أن لفظة (ماء) موضوعة للسائل المراد، بحيث يكون مفهوم الإرادة بوجه كلي أخذ قيدا فيه.
الاحتمال الثاني: أن يكون المأخوذ في المعنى مفهوم الإرادة الجزئي، يعني مفهوم إرادة هذا الإنسان بالخصوص. فحينما يقول «زيد ماء» فلفظة (ماء) معناها السائل المراد لزيد بالخصوص.
الاحتمال الثالث: أن يكون المأخوذ في المعنى واقع الإرادة و وجودها في نفس المتكلم، لا مفهومها الكلي، و لا مفهومها الجزئي. و الفرق بين الاحتمال الثالث، و الاحتمالين الأولين، في غاية الوضوح:
ففي الأولين لم يؤخذ وجود الإرادة قيدا في المعنى، بل أخذ مفهومها خاليا من الوجود و العدم.
و أما في الثالث لم يؤخذ مفهوم الإرادة بل واقعها و وجودها الخارجي، بحيث لو لم يكن لها وجود خارجي فالمعنى غير تام بنفسه.
و إن شئت قلت: إنّ صورة الإرادة في الأولين لم يؤخذ فيها كونها مطابقة للواقع، و ذات مصداق في الخارج.