بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٧ - الوجه الثاني
و إذا اتضح الفرق بين باب التنزيل، و باب الاعتبار نقول:
إنه يمكن أن يدعي صاحب هذا الوجه الثاني لمسلك الاعتبار، أن الوضع ليس هو تنزيل الواضع للفظ منزلة المعنى، حتى نسأله أنّه منزل بأي أثر، بل هو اعتبار، فرض أن اللفظ وجود للمعنى، من قبيل أن نفرض أن وجود العالم وجود للأحكام، فهذه اعتبارات سهلة المئونة، لا تحتاج إلى وجود أثر شرعي للمنزل عليه يسري إلى المنزل.
و بهذا يندفع الإشكال. فإنه كما صحّ عند الميرزا و أصحابه جعل الإمارة علما و قطعا مع أنه لا يوجد أثر شرعي للقطع الطريقي، كذلك يصح جعل اللفظ للمعنى، مع أنه لا يوجد أثر للمعنى. هذا بالنسبة إلى الأمر الأول.
و أمّا بالنسبة إلى الأمر الثاني: فقد يقال: إنه لو سلّمنا أنّ باب الوضع هو باب التنزيل، لا باب الاعتبار، فحينئذ، اللفظ لا يترتب عليه أثر من آثار المعنى، فكيف يكون قائما مقامه و منزلا منزلته؟.
و قد يجاب عن هذا بأن يقال: إنه إن كان المقصود من أثر المعنى الأثر الخارجي، ككون الأسد يأكل، و يشرب، و غير ذلك، فهذا صحيح بحيث أن هذا لا يترتب على لفظة (أسد)، إلّا أن هناك أثرا مهما من آثار المعنى، مترتب على اللفظ، و هو أن المعنى كان له خصوصية، و هي الإحساس بالحيوان المفترس و وقوع العين عليه خارجا، بحيث يوجب تصور صورته ذهنا. فهذا أثر من آثار المعنى، و هذا الأثر و الخصوصية تحصل للّفظ بواسطة وضعه للمعنى، فإنه متى ما وقع اللفظ في حسّنا بأن رأينا كلمة (أسد)، أو سمعناها، أو قرأناها، فحينئذ، ينتقل إلى ذهننا صورة الحيوان المفترس. فالخصوصية نفسها التي كانت موجودة للمعنى أصبحت موجودة للفظ، و هي خصوصية أن الإحساس به يوجب تصوره في الذهن، و هذه الخصوصية كانت في المعنى فقط، و بعد الوضع أصبحت باللفظ أيضا، فهذا أثر مهم للمعنى يترتب على