بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٢٤ - المحور الأول- في بحث الثبوت
و هذا التصوير على هذا التقدير غير صحيح، باعتبار أن استعمال اللفظ في المعنى يكون فردا واقعيا من الوضع فهذا غير صحيح، لأن الاستعمال دائما يكون جزئيا بينما الوضع دائما يكون كليا. فدعوى أن الاستعمال فرد حقيقي من الوضع هو خلط بين تعيين الشخص و تعيين النوع، فالاستعمال دائما تعيين شخص هذا اللفظ لهذا المعنى، و الوضع هو تعيين نوع هذا اللفظ لهذا المعنى، فكيف يكون هذا فردا حقيقيا من ذاك؟. و بهذا اتضح حاق الكلام على التقادير الثلاثة، إلّا أنه أشكل على هذا الاستعمال بإشكالين:
١- الإشكال الأول: و حاصله [١] لزوم اجتماع اللحاظ الآلي، و اللحاظ الاستقلالي، فيما إذا أوجد الوضع بالاستعمال، لأن في عالم الوضع يلحظ اللفظ و المعنى باللحاظ الاستقلالي. و في عالم الاستعمال يلحظ باللحاظ الآلي. فإذا توحّد الوضع و الاستعمال في مطلب واحد يلزم من ذلك اجتماع اللحاظ الآلي الاستقلالي.
و هذا الإشكال ليس بشيء بناء على التقدير الأول. فبناء على مسلكنا في أن الوضع أمر واقعي، و قرن بين اللفظ و المعنى، فلا يحتاج إلى لحاظ للفظ و لا للمعنى، و ذلك لأنّ الوضع ليس حكما جعليا يحتاج إلى لحاظ للفظ و لحاظ للمعنى، بل الوضع أمر واقعي، قد يحصل صدفة بلا فعل واضع، و قد يحصل بكثرة الاستعمال، مع أن في كثرة الاستعمال لا يوجد لحاظ استقلالي، و إنما لحاظ آلي. إذن فلا يشترط في الوضع اللحاظ الاستقلالي للفظ و المعنى، فلا يلزم اجتماع اللحاظ الآلي، و اللحاظ الاستقلالي.
و أمّا بناء على التقدير الثاني: فإن قلنا بالاتجاه الذي ذهب إليه السيد الأستاذ من أنّ المطالب الإنشائية أمور نفسانية و أن اللفظ مبرز لها، فمن الواضح عدم اجتماع اللحاظين، لأن الوضع في عالم النفس و الاستعمال في عالم التكلم الخارجي، و هذا مبرز و ذاك مبرز، فاللحاظ الاستقلالي في عالم
[١] حقائق الأصول: ج ١/ هامش ص ٤٨.