بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٢٦ - المحور الأول- في بحث الثبوت
و المراد بالأول: تفهيم المعنى و نقل ذهن السامع إلى المعنى و لو اقتضاء.
و المراد بالثاني: جعل اللفظ قالبا للمعنى، و إلقاء اللفظ بنحو من اللحاظ كأنه المعنى من دون أن يكون هناك قصد و غرض في تفهيم السامع، و إعداد ذهنه، و لو اقتضاء.
و عليه: فإن كان المراد بالاستعمال في المقام الاستعمال التفهيمي:
فالإشكال في محلّه، و هو إنّ الاستعمال التفهيمي لا بد و أن يكون مستندا إلى الوضع، أو مستندا إلى إحدى علاقات المجاز. إذ بدون الوضع، و بدون إحدى علاقات المجاز، لا يكون اللفظ مفهما للمعنى، فلا يعقل الاستعمال التفهيمي. و لا ينفع في دفع الإشكال، الدعوى المذكورة من معاصرة الوضع للاستعمال، لأن فيه دورا واضحا. فإن الوضع الذي حصل في آن الاستعمال، هو في طول الاستعمال التفهيمي، فيتوقف عليه. و الاستعمال التفهيمي يتوقف على الوضع فيكون دورا صريحا. هذا لو كان المقصود من إيجاد الوضع بالاستعمال إيجاد الوضع بالاستعمال التفهيمي، و لكن هذا أول الكلام، بل مقصودنا من ذلك إيجاد الوضع بالاستعمال غير التفهيمي، لأنه إلقاء للمعنى بإلقاء اللفظ، سواء أ كان ذهن السامع مستعدا لفهم ذلك، أو لم يكن مستعدا لذلك، فإنّ استعمالية الاستعمال ليست متوقفة على كون اللفظ قابلا للتفهيم، بل الاستعمال أمر محفوظ على كل حال، و لهذا يعقل استعمال اللفظ في المعاني الأجنبية كأن يستعمل لفظة «الماء» و يريد الحجارة. و هذا الاستعمال أمر معقول، و لكنه مستهجن عند العقلاء، لأنه لا يتعلق به غرض عقلائي. إذن ففي المقام نقصد إيجاد الوضع بالاستعمال غير التفهيمي، و هذا لا يعتبر أن يكون مستندا إلى الوضع، أو إلى إحدى علاقات المجاز، لأنه لم يقصد به التفهيم، بل قصد به إيجاد الوضع، و هذا غرض عقلائي، فلا غرابة فيه عند العقلاء. فهذا الإشكال أيضا غير وارد. و بهذا يتضح أن إيجاد الوضع التعييني بالاستعمال أمر معقول، و بهذا انتهى المحور الأول.