بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٣٠ - الوضع التعييني الحاصل بكثرة الاستعمال
فما أكثر الاستعمالات الصادرة عنه، و لعل أولها كان استعمالا إعلاميا في مقام إيجاد الوضع به، و هذا أمر معقول في نفسه، و لكن لا بد من إقامة الدليل عليه، و المتحصّل في كلماتهم مركّب من كبرى و صغرى:
فالكبرى: هي أن السيرة العقلائية قائمة على أن المخترع يوجد وضعا معينا، و لفظا مخصوصا للمعنى الذي اخترعه.
و الصغرى: هي أن النبي (ص) يعتبر مخترعا لهذه المركبات الاعتبارية بحيث جعل لها أجزاء و شرائط.
و الكبرى تنطبق على النبي (ص) باعتباره مخترعا، فيستكشف من ذلك أنه أوجد الوضع بالنسبة إلى هذه المعاني الجديدة المخترعة، و حيث أنه لم يصرح بذلك فيحمل الوضع على الوضع الاستعمالي.
و من الواضح أن هذا الدليل بهذه الصيغة قاصر عن إثبات المقصود، و ذلك لأننا لو سلّمنا بالصغرى و الكبرى، فغاية ما يفيد، الظن بأن النبي (ص) لم يتجاوز السيرة العقلائية، و لا يمكن حصول الجزم بذلك، و لا دليل على حجية مثل هذا الظن. لكن هذه الصيغة في الاستدلال يمكن إجراء تعديل عليها، بحيث تكتسب صفة فنية، و هذا التعديل هو أن نقول: إنّ السيرة العقلائية للمخترعين، و كون ديدنهم أن يضعوا ألفاظا معينة لإفادة المعاني التي يخترعونها، إذن يحدث ظهورا عرفيا في نفس الاستعمال الأول الذي يصدر من النبي (ص) مقتضاه و طبعه، أنه يوجد الوضع بالاستعمال الأول، فهذا الطبع العرفي يدل بالالتزام على أن الاستعمال الأول ظاهر عرفا في أنه في مقام إيجاد الوضع، فيكون ظهورا لفظيا عرفيا. و فرق بين هذا البيان و سابقه: حيث أن هذا البيان، و أن لم يوجب الجزم بحصول الوضع بالاستعمال، بل أوجب الظن، و لكن هذا الظن مرجعه إلى الظهورات العرفية اللفظية، و بذلك يكون هذا الظن حجة، بينما في البيان السابق كان الظن ظنا مجردا، بأن النبي (ص) قد وافق طريقة العقلاء؛ و بهذا البيان يمكن إصلاح ذلك الدليل، و بعد إصلاحه يمكن أن نشكل عليه بمنع الصغرى التي مفادها: إنّ الشارع مخترع لهذه