بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٢ - الاعتراض الأول
و هذا غير معقول، لأن اللحاظ هو الوجود الذهني. فإذا كان المعنى الحرفي له نحوان من اللحاظ في الذهن، إذن فيكون له نحوان من الوجود الذهني- وجود ذهني تبعي و هو اللحاظ الآلي، و وجود ذهني استقلالي و هو اللحاظ الاستقلالي-.
و بناء على هذا يلزم أن يكون لمعنى الحرف نحوان من الوجود في الخارج أيضا، مطابقا للذهن، لأنّ الوجود الذهني مطابق للوجود الخارجي.
فإذا تعقلنا أن يكون لمعنى (من) نحوان من الوجود في الذهن- استقلالي و تبعي-، فلا بدّ و أن يكون له نحوان من الوجود في الخارج أيضا- وجود استقلالي تارة و وجود تبعي أخرى-، مع أن معاني الحروف و هي النسب و الروابط، ليس لها في الخارج وجود استقلالي أصلا، بل وجودها متمحض في الخارج بالوجود التبعي و الاندكاكي، و الظلي. إذن فلا محالة أيضا يكون وجودها الذهني متمحضا في الوجود التبعي الظلي الاندكاكي، و لا يكون لها نحوان من الوجود في الذهن.
و هذا البرهان الذي ذكره المحقق الأصفهاني، كأنه مبني على أصل موضوعي، و هو أن أنحاء الوجود الخارجي لا بدّ و أن تكون بقدر أنحاء الوجود الذهني، فإذا كان للمعنى نحوان من الوجود في الذهن، فلا بدّ و أن يكون له نحوان من الوجود في الخارج، و حيث أن معاني الحروف، و هي النسب ليس لها نحوان من الوجود في الخارج- إذن ليس لها وجود استقلالي في الخارج أصلا- فيلزم أن لا يكون لها وجود استقلالي في عالم الذهن أيضا.
و هذا الأصل الموضوعي بلا موجب في المقام، لأنه قد يكون للشيء نحو من الوجود في الذهن. و لا يكون له ذاك النحو من الوجود في الخارج، من قبيل الأعراض، فمثلا: البياض الذي هو مفهوم اسمي بلا إشكال، و ليس من الحروف، فهو بحسب عالم الذهن له نحوان من الوجود، فإنه كما يوجد في ضمن تصور الجسم الأبيض، كذلك يوجد البياض في نفسه، فالإنسان