بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢٤ - الوجه الثاني
القضية المعقولة في ذهن المتكلم، سواء أ كان بإزائها وجود رابط خارجي أو لم يكن بإزائها وجود رابط خارجي و إلّا كيف يتصور أن مقصود الأصفهاني من الحرف إنه موضوع للوجود الرابط الخارجي، مع أنه في القضايا الكاذبة على الأقل، لا وجود رابط خارجي حينما نقول: زيد في الدار، و زيد لم يكن في الدار، هنا الوجود الرابط في الخارج غير موجود أصلا، مع أن كون القضية كاذبة لا يعني أنّ الحرف ليس له معنى، و أن الإسم ليس له معنى، فحينما يقول الكاذب: زيد في الدار- هذه الجملة لها المعنى نفسه عند ما يقولها الصادق، فلو كان مفاد الحرف هو الوجود الرابط الخارجي. إذن لم يكن هناك معنى للحرف في موارد كذب القضية، إذ ليس هناك وجود رابط خارجي، مع أن معنى الحرف سنخ معنى لا بدّ من انحفاظه في موارد صدق القضية و كذبها.
و هذا معناه إنّ الموضوع له ليس هو الوجود الرابط الخارجي، بل هو النسبة المستهلكة في الطرفين التي يكون تقررها الماهوي في طول الوجود الذهني للقضية في عالم الاستعمال، و هذه النسبة إن كان لها مطابق في الخارج تكون صادقة، و إن لم يكن لها مطابق في الخارج، فتكون كاذبة، مع وجدان المعنى للقضية، و للاسم، و للحرف فيها.
إذن فبناء على هذا يظهر أن ما ذكره المحقق الأصفهاني، لا يختلف عمّا أوضحناه في المراحل الخمسة لتوضيح هذا المسلك، و هو إنّ الحروف موضوعة [١] لأنحاء النسب، و إنّ هذه النسب، نسب مستهلكة ليس لها تقرر ماهوي إلّا في طول عالم الوجود، في عالم وجود القضية في ذهن المتكلم، و لا نرى أنه قد أضاف شيئا على ما قررناه أولا في توضيح هذا المسلك.
و هذه الاعتراضات الثلاثة التي اعترض بها السيد الأستاذ، فقد ظهر حالها ممّا بيناه، فأما الاعتراض الأول، و هو إنّ الكلمة لا تكون موضوعة للوجود الخارجي، لأنّ هذا الوجود لا يقبل الانتقال إلى الذهن. فهذا أمر
[١] نهاية الدراية: الأصفهاني/ ج ١ ص ٢٣- ٢٤.