بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٣ - النحو الثالث
إذن فلا يمكن تصحيح هذه الدلالة الموجودة بالفعل للّفظ على المعنى، بتعلق التعهد بهذه القضية الشرطية بهذا النحو.
النحو الثاني:
هو أن يقال بأنّ الواضع يتعهد بعكس النحو الأول من التعهد: فهو يتعهد بأنّه متى ما صدر على لسانه كلمة (ماء) فهو سوف يحدث في نفسه قصدا لتفهيم المعنى، إذا كان الواضع يتعهد بقضية مثل هذه، فحينئذ يكون الشرط هنا مستلزما للجزاء، و دالّا عليه. فيثبت بذلك دلالة اللفظ على المعنى بالنحو المطلوب.
و يردّ عليه: إنه لو صدرت لفظة (ماء) سهوا من هذا الإنسان، حينئذ نعلم أن هذا الإنسان سوف يحدث في نفسه قصدا لتفهيم المعنى.
إلّا أنّه من الواضح أنّ مثل هذه القضية الشرطية لا يتعهد بها عاقل، فإنّ الإتيان باللفظ في عالم الاستعمال اللغوي، هو في طول قصد تفهيم المعنى، لا إنه متى ما أتى باللفظ أحدث حينئذ قصد تفهيم المعنى، فالتعهد في مثل هذه القضية الشرطية غير محتمل في المقام، و هذا النحو الثاني باطل أيضا.
النحو الثالث:
هو أن يتعهد الواضع بأنه لا ينطق بلفظة (أسد) إلّا حين يقصد فيها تفهيم معنى الحيوان المفترس، فحينئذ يتعهد بأنه إذا لم يكن قاصدا لتفهيم معنى الحيوان المفترس لا يأتي بلفظة (أسد). هذا هو مفاد القضية الشرطية المتعهد بها، حينئذ إذا انتفى الجزاء يعني إذا أتى بلفظ (أسد) فنستكشف من ذلك أنه قصد تفهيم المعنى، أو أننا نستكشف من ذلك انتفاء الشرط، يعني أنه قد قصد تفهيم المعنى، هذا هو النحو الثالث المتصوّر.
و بعبارة أوضح، إن الواضع يتعهد بأنه إذا لم يكن قاصدا لتفهيم المعنى، لا يأتي باللفظ و حينئذ، إذا أتى باللفظ نستكشف كذب الشرط، يعني أنه قاصد لتفهيم المعنى. و هذا النحو، نحو معقول بنفسه، و عقلائي. كما أنه يحدث