بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٩ - الاعتراض الثالث
بما هو مندك في معنى الإسم- في معنى السير و البصرة- فيقال بأن الابتداء تارة يلحظ بما هو شيء في نفسه، فيعبّر عنه بكلمة الابتداء، و أخرى يلحظ بما هو طور من أطوار معنى آخر، بحيث بهذا اللحاظ لا يرى إلّا صاحب الطور بما هو متطور بهذا الطور، و هذا معناه اندكاك المعنى الحرفي في المعنى الاسمي.
تماما كما تقدم في مفهوم البياض، تارة الذهن يلحظ البياض في نفسه، و أخرى يلحظه بما هو مندك في الأبيض، بحيث لا يرى إلّا الأبيض. و هذا معنى آخر للفناء يختلف عن المعنى الأول، لأن هذا بابه باب اندكاك معنى في معنى، و فناء معنى في معنى، و ذاك فناء العنوان في المعنون.
و الآن بعد ما اتضح كلا معنيي الفناء نقول: بأن صاحب الكفاية ((قدّس سرّه)) مقصوده المعنى الثاني للفناء يعني- فناء مفهوم في مفهوم- فناء المفهوم الحرفي في المفهوم الاسمي، لا فناء المفهوم الحرفي في واقع المفهوم الحرفي، حتى يقال هذا بعينه موجود في باب الأسماء لأن في باب الأسماء أيضا مفهوم النار فان في واقع النار، و نقول: إنّ مفهوم (من) يفنى في مفهوم- سير- و هذا هو الذي يميز المعنى الحرفي عن المعنى الاسمي بحسب دعوى صاحب (الكفاية)، و حينئذ فلا يرد عليه هذا النقص.
أمّا كون هذا هو مراد صاحب (الكفاية)، فهذا واضح في عبارته، لأنه يقول بأن المعنى الحرفي حالة في غيره، و يقصد من الغير هنا المعنى الاسمي، لا المعنون الخارجي لنفس الابتداء، و لهذا يشبّه في قوله- الحرف مع الإسم في الذهن كالعرض مع الجوهر في الخارج- فكما أن العرض مع الجوهر في الخارج لا يرى شيئا بحياله و في قباله، كذلك المعنى الحرفي لا يرى في الذهن شيئا مفهوما في مقابل المفهوم الاسمي و حياله.
و ممّا يؤيد ذلك أنه ((قدّس سرّه)) في تضاعيف أصوله فرّع على مبناه عدم إمكان الإطلاق و التقييد [١] في المعنى الحرفي، كما يظهر في بحث مفهوم
[١] حقائق الأصول: ١/ ٤٥١.