بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٣ - نقض الوجه الأول
الاعتراض الثاني، كان مفاده، أنه لازم هذا البيان أن يكون المعنى هو الموضوع عليه، لا الموضوع له؛ لكن صار واضحا ممّا بيناه، أنّ اللفظ وضع على المعنى المستعمل فيه على إجماله، ليدلّ عليه على إجماله، فالموضوع له بحسب الحقيقة هو كون المعنى المستعمل فيه هو الحيوان المفترس، فقد أصبح المعنى هو الموضوع له بهذا الاعتبار، لا إنه متمحّض في الموضوع عليه.
و إن شئتم قلتم: بأن المعنى أصبح له لحاظان؛ بما هو المعنى المستعمل فيه على إجماله، يكون بمثابة المكان المخصوص على إجماله، و بلحاظ أنه هو الحيوان المفترس، يكون هو الموضوع له، كما أن رأس الفرسخ هو الموضوع له.
إذن فالمعنى بأحد اللحاظين يكون هو الموضوع له، فلا يبقى غرابة من هذه الناحية، إذن كلا الاعتراضين لا يمكن المساعدة عليه بالنسبة لهذا الوجه.
نقض الوجه الأول:
و هذا الوجه غير صحيح، و لا ينفع إلّا للتلاعب بالألفاظ، و لقلقة اللسان، و ذلك لأنّ هذا الوجه يريد أن يجعل وضع اللفظ للمعنى اعتبارا للوضع الخارجي، يقول: هنا أعتبر ذاك الوضع الخارجي في باب الأعلام، فكما أنّ العلم هناك يكون دالّا و رأس الفرسخ مدلولا، هنا كذلك، الوضع الخارجي أوجده بالاعتبار.
و هذا إشكال واضح فإن الوضع الخارجي ليس بأشد و بأحسن حالا من الوضع الاعتباري، و نحن إذا حاسبنا حساب الوضع الخارجي الحقيقي، نجد أنّ وضع العلم على رأس الفرسخ، ما لم ينضم إليه عناية من الخارج، لا يدلّ على أن هنا رأس الفرسخ، كما لو وضع الإنسان علما على رأس الفرسخ، و هو نائم، دون أن يكون لديه بناء كلي على أن يضع الأعلام على رءوس الفراسخ، حينئذ لا يكون وضع العلم على هذا المكان، دليلا على رأس الفرسخ، فالوضع بوجوده الخارجي التكويني، ما لم ينضم إليه عناية نفسانية