بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٣ - الاعتراض الأول
يمكن أن يتصور ماهية البياض بما هي، بقطع النظر عن موضوع يتصف بهذه الأبيضية، مع أنه بحسب عالم الخارج، البياض لا يعقل وجوده إلّا مرتبطا بموضوعه، إذ لا يعقل أن يوجد في الخارج بياض بلا جسم. و هذا يبرهن على أن الذهن قد يعطي أنحاء من الوجود للمفاهيم، لا مطابق لها في الخارج، فكما أعطى لماهية البياض نحوا من الوجود الغير الافتقاري إلى الموضوع في الذهن، مع أن وجود البياض في الخارج افتقاري دائما، كذلك يمكن أن يفرض أن المعنى الحرفي في عالم الذهن له نحوان من الوجود: تارة يوجد بوجود استقلالي، و أخرى يوجد بوجود تبعي، و لكن في عالم الخارج يتمحض في أحد النحوين، و هو الوجود التبعي.
ثم كأنّ المحقق الأصفهاني حمّل على (صاحب الكفاية) مطلبا، و هو الفراغ من أن معاني الحروف هي النسب فقال: بأن معاني الحروف و هي النسب، لا تقبل في الخارج الوجود الاستقلالي بل الوجود التبعي، مع أن هذا هو أول الكلام في المقام ما بينه و بين صاحب (الكفاية) فهذا تحميل على صاحب (الكفاية).
و صفوة القول، و إن كنا نقبل أنّ النسبة لا يعقل أن يكون لها نحوان من الوجود، بل وجودها دائما تبعي ظلي، كما سوف يأتي توضيحه، لكن لا نقبل هذا الطراز من الاستدلال البرهاني، فلا نقبل من المحقق الأصفهاني، أنّ الاستقلال في المعنى الحرفي لا يقبل الاستقلال في الوجود الذهني، ببرهان أنه لا يقبل الاستقلال في الوجود الخارجي، مع لزوم التطابق بين أنحاء الوجود الخارجي، و أنحاء الوجود الذهني، بل البرهان قائم على العكس، كما قلنا في مفهوم البياض.
إذن فلا يلزم من أن المعنى الحرفي تبعي دائما أن لا يكون في عالم الذهن استقلاليا تارة، و تبعيا أخرى، فهذا البرهان في غير محله.