بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٧ - توضيحات و تفريعات
بل المهم في المقام: هو الحيثية الثانية لهذا الإنشاء، الحيثية التكوينية لا الحيثية الاعتبارية الجعلية.
و على هذا البناء، فالوضع بما هو وضع، و ميزان لدلالة اللفظ على المعنى، ليس أمرا إنشائيا اعتباريا، لا الوضع التعيّني، و لا الوضع التعييني.
ب- الأمر الثاني: إنّ دلالة اللفظ على المعنى التي تنشأ من الوضع، هي دلالة تصورية، و ليست دلالة تصديقية، فإنّ الدلالة كما أشرنا سابقا على نحوين:
النحو الأول: دلالة تصورية، بمعنى متى ما سمعنا لفظ (الأسد) و انتقش في ذهننا، انتقل إلى تصور الحيوان المفترس.
النحو الثاني: دلالة تصديقية، بمعنى أن لفظ (الأسد) يدل على أنّ المتكلم أراد بهذا الكلام تفهيم الحيوان المفترس.
إذن بناء على ما أوضحناه في حقيقة الوضع، صار معلوما أنّ الوضع لا يوجد إلّا الدلالة التصورية، لأن الوضع ليس إلّا إيجاد صغرى للقانون الثانوي التكويني، لأن مفاده، إنه متى ما اقترن شيئان: (السكوني، و النوفلي) اقترانا أكيدا، و تصورنا أحدهما، تصورنا الآخر، سواء سمعنا لفظ (السكوني) من عاقل، أو نائم، أو من اصطكاك حجرين، انتقل ذهننا إلى تصور (النوفلي).
هذا هو معنى الدلالة التصورية.
و أمّا الدلالة التصديقية: معناها، إنه متى ما سمعنا إنسانا عاقلا ملتفتا يقول: (أسد)، نعرف أنه قد أراد بهذا اللفظ تفهيم المعنى الذي وضع له في لغة العرب، و هذه الدلالة ليست مربوطة بالوضع، و إنما هي باعتبار ظهورات حالية و سياقية و عقلائية، زائدا على الوضع.