بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٣٨ - الاعتراض الأول
و في مقابل المشهور مسلك آخر اختاره السيد الأستاذ، حيث استشكل في مذهب المشهور، و ادّعى عدم تعقل وضع الجمل للنسب، فلم يتعقل التمامية و النقصان، و اعترض على المشهور بعدة اعتراضات، و جعلها برهانا على مدّعاه، حيث ذهب إلى أن الجمل التامة الخبرية ليست موضوعة للنسب، بل موضوعة لأمر نفساني، و هو قصد الحكاية عن ثبوت الشيء [١]، أو نفيه.
فقولنا: زيد عالم، مفاده قصد الحكاية عن ثبوت العلم لزيد. و قولنا: زيد ليس بعالم، مفاده قصد الحكاية عن نفي العلم عن زيد، كما ذهب إلى أن الجمل الناقصة موضوعة للتحصيص و التضييق. فهيئة الوصف في قولنا: زيد العالم، موضوعة لتحصيص زيد و تضييقه بنحو يكون مقيدا بالعالمية، فليست الجمل الناقصة موضوعة للنسب بل للتحصيص.
و سوف يتضح حال هذين المسلكين و ما هو الصحيح، و ذلك من خلال
الاعتراضات التي وجهها السيد الأستاذ:
الاعتراض الأول:
و حاصله كيف تقولون بأن الجملة موضوعة للنسبة، مع أنه في بعض الموارد لا يتعقل، و لا يتصور النسبة أصلا، كما هو الحال في قولنا: شريك الباري ممتنع. فإنه لا يتعقل نسبة خارجية بين شريك الباري و الامتناع لأن تحقق النسبة فرع تحقق طرفيها، و هنا لا يعقل أن يتحقق شريك الباري لكي تنشأ نسبة بينه و بين الامتناع.
و كذلك الحال في قولنا: العنقاء ممكن، لا يعقل فرض نسبة بين العنقاء و الإمكان، لأن قيام النسبة في الخارج بين هذين الطرفين فرع وجود الطرفين، مع أن العنقاء لا وجود لها في الخارج.
ففي أمثال هذه الجمل لا تتصور النسبة مع أنها صحيحة، نحويا و لغويا.
فهذا دليل على أن مفاد الجملة ليس هو النسبة، بل هو أمر نفساني،
[١] محاضرات فياض: ج ١/ ص ٨٥- ٨٨.