بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨١ - الاعتراض الثاني
لا بد و أن نقول- زيد مستطيع و عنده مال و راحلة، حينئذ يثبت عليه وجوب الحج-.
إذن هناك مرحلتان: مرحلة إصدار الحكم، و عقد القضية في أفق النفس. و مرحلة ثبوت المحكوم به خارجا و واقعا على الموضوع. في المرحلة الأولى: لا يتوقف إصدار الحكم إلّا على إحضار الموضوع، و لو بالنظر التصوري. و في المرحلة الثانية: المحكوم به لا يثبت إلّا لما يكون هو الموضوع بالنظر التصديقي الحقيقي.
و بعد أن تمت هاتان المقدمتان و اتضحت، نأتي إلى مثال، و نطبق عليه كلتا المقدمتين، و من هذا المثال يتضح محل الكلام أيضا و يندفع الإشكال:
و المثال هو قولنا:- الجزئي لا ينطبق على كثيرين-. فهذه قضية صحيحة عند من أنكر الوضع العام، و الموضوع له الخاص، و عند من قبل بذلك. و هذه القضية فيها إشكال في بادئ الأمر، و هذا الإشكال هو إنّ القائل- بأن الجزئي لا ينطبق على كثيرين- قد أحضر في نفسه مفهوم الجزئي، و مفهوم الجزئي ينطبق على كثيرين، و لم يحضر في نفسه زيدا، و بكرا، و عمرا، إذن هذا الكلام كيف يصدق بأن- الجزئي لا ينطبق على كثيرين-! هو بحسب الحقيقة حكم على هذا المفهوم و لم يحكم على زيد، و خالد، فزيد و خالد لا ينطبق على كثيرين، لا إن مفهوم الجزئي لا ينطبق على كثيرين.
و هذه شبهة يتضح جوابها من المقدمتين المذكورتين:
فإنه اتضح من المقدمة الأولى أن مفهوم الجزئي بالنظر التصوري الأولي، واجد لنفسه، و لكنه بالنظر التصديقي الحقيقي فاقد لنفسه ليس بجزئي.
و اتضح من المقدمة الثانية أن القضية لها مرحلتان: الأولى إصدار الحكم، و الثانية ثبوت المحكوم به حقيقة للموضوع، و حينئذ نقول في المقام:
بأن الحكم الذي حكم به هذا الإنسان حينما قال- بأن الجزئي يمتنع صدقه