بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١١٣ - المسلك الثالث- مسلك التباين
المتكلم، ليس لها تقرّر ماهوي في المرتبة السابقة على الوجود، و بقطع النظر عن عالم الوجود، بينما المفاهيم الاسمية لها تقرّر ماهوي في المرتبة السابقة على الوجود و بقطع النظر عن عالم الوجود.
و توضيح ذلك: إنه بالإمكان عقد قضية موضوعها الماهية، و محمولها الوجود فنقول: النار وجدت في ذهن المتكلم، و إن كانت الماهية و الوجود بحسب الخارج هو شيء واحد، لكن بالنظرة التحليلية، نحلل هذا الوجود الذهني للنار إلى ماهية و وجود، و نشكل قضية تحليلية موضوعها الماهية، و محمولها الوجود. و معنى هذا: إنّ النار فرضت موضوعا في هذه القضية التحليلية، و لوحظت بما هي فيها، ثم يحكم عليها بالوجود، و إنّ مفهوم النار في مرتبة وقوعه موضوعا، له تقرّر في نفسه، بقطع النظر عن الوجود، و هذا ما نقصده بالتقرّر الماهوي، فإنّ ما نقصده هو إمكان عقد قضية بالنظر التحليلي، بحيث يكون موضوعها الماهية، و محمولها الوجود، فيكون لماهية النار نحو من التقرر الماهوي في مرتبة وقوعها موضوعا لهذه القضية، قبل أن يحكم عليها بالوجود.
و هذا التقرّر الماهوي، يجري في باب المفاهيم الاسمية من قبيل مفهوم النار. و أما في المفاهيم الحرفية فهذا النحو من التقرر الماهوي غير معقول، لأن النسبة الذهنية في ذهن المتكلم، كما تقدم، هي متقومة بشخص وجود طرفيها. ففي المرتبة السابقة على الوجود، ليس لها تقرر ماهوي و ذاتي، فتقررها الماهوي في طول الوجود، لا في مرتبة سابقة على الوجود، و لو قطع النظر عن الوجود أصلا لا تقرر ماهوي لها، يعني لا يمكن أن نفرضها ثم نقول: إنها موجودة تارة، و معدومة أخرى، في حين أن النار يمكن فيها ذلك فنقول مثلا: النار موجودة، أو معدومة.
و هذا الكلام، بحسب الحقيقة من نتائج عدم إمكان تصور الجامع الذاتي النوعي بين النسب الثلاثة، الذي بيناه في المرحلة الثالثة. فبعد البرهان على استحالة هذا الجامع، قلنا: إنّ كل فرد له مقومات ذاتية مغايرة للمقومات