بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٤٦ - الاعتراض الرابع
وقت واحد، و صار له صورة في هذه المرآة، و صورة في تلك المرآة، و هنا عندنا عالمان عالم المرآة، و عالم ذي المرآة، ففي عالم المرآة الذي هو عالم الصور الحاكية، يوجد شيئان متغايران: أحدهما الصورة القائمة في المرآة الأولى، و الثاني، الصورة القائمة في المرآة الثانية، و بين هاتين الصورتين نسبة، و هذه النسبة هي نسبة التصادق بحيث ما يرى في الصورة الأولى، هو عين ما يرى في الصورة الثانية. فالمرآة تعطينا صورتين بنحو بينهما نسبة التصادق القائمة في عالم المرآة. و أما في عالم ذي المرآة، و عالم المحكي لا الحاكي يوجد شيء واحد فقط، و لا يوجد نسبة» و هذا المثال نطبقه هنا فنقول بأن هناك واقعا واحدا في نفس الأمر، و هذا الواقع الواحد له مفهومان ذهنيان:
أحدهما مفهوم زيد و الآخر مفهوم عالم، على غرار الصورتين المرآتيتين لوجود زيد الواحد في نفس الأمر، فكلا المفهومين لوحظا بما هما مشيران إلى شيء واحد و واقع واحد. ففي صقع الوجود الذهني يوجد شيئان و مفهومان بينهما نسبة واقعية، و هذه النسبة الواقعية الذهنية نسبة تصادقية واقعية لا نسبة تحليلية؛ و بهذا يعرف لما ذا كانت الجملة هنا تامة و هناك ناقصة: فهذه تامة لأنها نسبة واقعية، و تلك ناقصة لأنها تحليلية، و كلتا النسبتين في عالم التصور المحض فتارة أتصور النسبة تامة، و أخرى ناقصة، و بهذا ظهر السر فيما أشرنا إليه من أنه لما ذا يصح قولنا: «هل زيد عالم»، و لم يصح قولنا «هل زيد العالم». و بهذا اتضح الفرق بين النسبة التامة، و النسبة الناقصة، بلا حاجة إلى إدخال الدلالة التصديقية، و النسبة في البين.
و بهذا يكون مطلب المشهور معقول في نفسه بل هو المتعيّن، و المسلك الثاني القائل بأن جملة (زيد عالم) موضوعة لقصد الحكاية، لا للنسبة، هذا في نفسه غير صحيح، و ذلك لأنه يكون موردا لإشكالين:
الإشكال الأول: و هو إشكال مبنائي، و حاصله، أنّ صاحب هذا المسلك الذي يقول بأن جملة «زيد عالم» تدل على قصد الحكاية، ما ذا يقصد بهذه الدلالة؟.