بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٢ - المسلك الثالث ٣- مسلك الجعل الواقعي
الذي يكون وجوده بمحض الاعتبار، و كذلك ليس من القسم الأول الذي يكون ثبوته على حدّ ثبوت الإنسان، و على حدّ ثبوت الجواهر و الأعراض، بحيث يكون له وجود خارجي، إذ من الواضح أن الإمكان ليس له وجود خارجي، كما برهن عليه في محلّه، و إلّا لكان للإمكان إمكان، و هكذا. إذن فالإمكان قسم ثابت من الأمور الثابتة، و ثبوته لا بوجوده الخارجي، و لا بمحض الاعتبار، بل بواقعيته، فهو من الأمور الواقعية المحفوظة في الأمر و الواقع نفسه، من قبيل الملازمات و السببيات، فإن ملازمة النار للإحراق، أو سببية النار للإحراق، هذا أمر واقعي محفوظ في نفسه، بقطع النظر عن اعتبار المعتبر، بل هو أمر له واقعية و ثبوت.
و حينئذ، بناء على هذا القسم الثالث يقال: بأن الملازمة بين اللفظ و المعنى التي هي عبارة عن سببية اللفظ للمعنى في عالم الذهن، و كون اللفظ سببا للمعنى، فهذا يدخل في القسم الثالث من هذه الأقسام، فهو ليس أمرا له وجود في الخارج على حدّ وجود الجواهر و الأعراض، و لا هو أيضا أمر اعتباري خيالي من قبيل البحر من زئبق، بل هو أمر واقعي له ثبوت في الواقع، فإنه حقيقة يكون اللفظ سببا للمعنى في عالم الذهن، و ليس هذا بأمر خيالي أو ادّعائي.
إذن فالوضع عبارة عن جعل هذه السببية الواقعية بين اللفظ و المعنى- جعل اللفظ سببا للمعنى- فهو جعل للسببية الواقعية، و الملازمة الواقعية التي تدخل في القسم الثالث.
هذا بيان صورة هذا المسلك، و قد اعترض على هذا المسلك السيد الأستاذ بالتهافت المنطقي [١].
و توضيح الاعتراض الذي اعترض به السيد الأستاذ على هذا المسلك، هو أن الوضع إذا كان عبارة عن جعل هذه السببية الواقعية بين اللفظ و المعنى،
[١] محاضرات في أصول الفقه- فياض: ج ١، ص ٤٢- ٤٣.