بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٦ - تحقيق الكلام في جعل السببية الواقعية
تحقيق الكلام في جعل السببية الواقعية
صار واضحا أن هذا المسلك الثالث، هو مسلك جعل السببية الواقعية و الملازمة الواقعية بين اللفظ و المعنى، حينئذ نسأل صاحب هذا المسلك: ما ذا يقصد بالجعل؟.
هل يقصد الجعل المباشري لهذه السببية، أو يقصد الجعل بتوسط أمر آخر؟.
فإن كان يقصد الجعل المباشري للسببية، بمعنى أن اللفظ بحسب طبعه ليس سببا للانتقال إلى المعنى، و لكن الواضع يجعل هذه السببية جعلا مباشريا ابتدائيا، فيخلق في اللفظ سببية واقعية للانتقال إلى المعنى:
فإن كان يقصد هذا المعنى، فهذا غير معقول في نفسه في سائر موارد عالم التكوين، لأنّ السببية بين الأشياء ذاتية للسبب، و هي غير مجعولة، و غير قابلة للجعل، فلا يمكن أن نجعل ما ليس سببا للحرارة بذاته سببا للحرارة، فالماء مثلا: ليس بسبب للحرارة، فلا يمكن أن نجعله سببا للحرارة.
نعم يعقل أن يوجد فيه ما هو سبب، و ذلك بأن نجعل هذا الماء حارا، و من المعلوم أن الحرارة سبب للحرارة، فإذا جعلنا فيه الحرارة بوضعه على النار، فقد صار هذا الماء سببا للحرارة، و لكن هذا ليس بابه باب السببية المباشرية، فإنّ ما هو سبب الحرارة هو نفس الحرارة، و نحن قد جعلنا