بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٣٢ - الوضع التعييني الحاصل بكثرة الاستعمال
نعترف بذلك فلعل المراد منها المعنى اللغوي، فكيف يمكن إثبات كون المعاني قديمة و غير مستحدثة؟.
إلّا أنّ هذا الإشكال في غير محله و ذلك بتقريبين:
التقريب الأول: إننا نسلّم بالحقيقة الشرعية و لو بلحاظ كثرة الاستعمال، فنحن نسلم بأن لفظة «الصلاة» صارت حقيقة في المعنى الشرعي بعد مضي زمان، و لو بكثرة الاستعمال، فنجري أصالة الحقيقة في الآيات التي تحدثت عن وجود الصلاة في الشرائع السابقة، و نثبت بأصالة الحقيقة أن المقصود بوجودها وجود المعنى الشرعي، خصوصا الآيات المدنية التي نزلت بعد سنين، و بعد أن تمّت كثرة الاستعمال، و تحقق أنس وضعي استعمالي بين اللفظ و المعنى، و محل النزاع هو الوضع التعييني. و نحن نعترف بالوضع التعيني، و نجري أصالة الحقيقة بلحاظ الوضع التعيني في هذه الآيات، و نثبت أن هذه المعاني الشرعية كانت ثابتة قديما، و عليه: فالنبي (ص) لم يكن هو المخترع، إذن فلا موجب لتطبيق السيرة العقلائية عليه.
و التقريب الآخر هو: إنه يكفي الشك في المقام، فإنّ هذه الآيات توجب احتمالا كبيرا بأن الصلاة بالمعنى الشرعي كانت موجودة في الشرائع السابقة، و الاحتمال يبطل الاستدلال، فإن الدليل كان متوقفا على صغراه و كبراه، فإذا نشأ احتمال كبير بأن النبي (ص) ليس مخترعا، بل المعنى الشرعي للصلاة كان موجودا من الأول، فهذا الاحتمال يكفي لإبطال الدليل، و إن لم يتعين المعنى الشرعي.
أضف إلى ذلك قدم لفظة «الصلاة» و أمثالها، و الذي يقرّب هذا المدّعى أنّ العرب الذين كانوا يدينون باليهودية و النصرانية، و يمارسون تلك المعاني الشرعية القديمة، بما ذا كانوا يسمّون تلك المعاني؟. هل كان يعبّر عنها بالصلاة، أو بغير الصلاة، أو لم يكن يعبّر عنها بشيء؟.
أما إنه لا يعبر عنه بشيء فهذا غير صحيح، إذ كيف كان يوجد فعل