بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١١٠ - المسلك الثالث- مسلك التباين
مفاهيم الحروف، و المفاهيم التي تنتزع من الأطراف الخارجية، كمفهوم النار و الموقد، و التي تكون بالنظر التصوري فقط عين الحقيقة هى مفاهيم الأسماء.
إذن حصّلنا فرقا جوهريا، بين مفاهيم الحروف، و مفاهيم الأسماء، فالمفاهيم الاسمية الغرض منها هو إصدار الحكم عليها، و هذا يكفي لأن تكون عين الحقيقة بالنظر التصوري، بينما المفاهيم الحرفية الغرض منها هو أن يحصل في الذهن الخصائص التكوينية للحقيقة، و هذا لا يكون إلّا ما يكون بالنظر التصديقي عين الحقيقة، فضلا عن النظر التصوري.
و هذا الفرق بين المعاني الحرفية و المعاني الاسمية، هو أحد معاني القول المعروف: بأن المعاني الاسمية إخطارية، و المعاني الحرفية إيجادية.
و معنى كون المعاني الاسمية إخطارية، أنه يكفي فيها انتزاع مفهوم، بحيث يكون بالنظر التصوري و الإخطاري عين الحقيقة، و إن لم يكن بالنظر التصديقي عينها، و معنى كون المعاني الحرفية إيجادية، أنه لا بدّ و أن يكون المفهوم المنتزع بإزاء العلاقات عين الحقيقة بالنظر التصديقي أيضا، بمعنى كونه واجدا لحقيقته، و كاملا، عنوانا و وجودا.
المرحلة الثانية: و هي فرع عن الأولى، حيث يتضح أنّ مدلول الحرف ليس هو مفهوم النسبة، و لا هو مفهوم الربط، و لا العلاقة، و لا الابتداء، و لا أي مفهوم من هذه المفاهيم، و ذلك لأنّ مفهوم النسبة بالنظر التصوري عين النسبة، لكنه بالنظر التصديقي غير النسبة، فمفهوم النسبة، لو نظرناه بالنظر التصوري، و قيل: ما ذا تصورتم؟ لقلنا: النسبة، لكن، لو قيل لنا بالنظر التصديقي أ هذا الذي تصوّرتموه، أ هو نسبة بين شيئين؟ لقلنا لا، بل هو مفهوم بنفسه، لا يحتاج إلى شيء آخر ليتصوّر معه. و هكذا مفهوم العلاقة بالنظر التصوري علاقة، لكن بالنظر التصديقي ليس علاقة، بل هو مفهوم من المفاهيم القائمة بنفسها. و قد قلنا في المرحلة الأولى: إنّ معنى الحرف لا بدّ و أن يكون عين الحقيقة بالنظر التصديقي، فضلا عن التصوري، فهذه المفاهيم لا تصح أن تكون مداليل للحروف.