بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦٣ - الجهة الثانية في تشخيص الواضع
وضع اللغة الفلانية مثلا، مع أنه لم يسجل شيء من هذا في التاريخ، و منه يعرف بأنّ اللغة ليست من صنع إنسان، بل هي من إلهام اللّه تعالى، و من وضعه.
و هذا الاستبعاد أجاب عنه بعضهم: بأن اللغة لو كانت من صنع إنسان واحد، بأن يقول أنا وضعت لكم لغة، ثم يقدم قاموسا بها، مع أن هذه حادثة ملفتة للنظر ينبغي أن يشار إليها في التاريخ و تسجل، و لكن الأمر هذا ليس واقعا يقينا، بل لو أن إنسانا فعل هذا لا تهم في عقله.
و إنما اللغة نشأت بالتدريج بمعنى أن كل جماعة أو فرد في كل زمان، وضعوا بعض الألفاظ، ثم جاء فرد آخر فأزاد لفظا، و هكذا حتى نشأت هذه اللغة، فليست اللغة برمتها مستندة إلى شخص واحد بعينه، حتى يقال لما ذا لم يذكر اسمه في التاريخ [١].
و تحقيق الكلام في هذه المسألة: إنّ هذه الاستبعادات التي نواجهها على فرض أن يكون الواضع هو الإنسان، لا تنحصر في هذين الاستبعادين ليجاب بهذه الأجوبة، بل هناك استبعادات، ببيانات أخرى، و إشكالات لا بد من التعرض لها، و التأمل فيها، نحن نضيفها إلى ما ذكر:
الاستبعاد الأول: إنه قد يقال، بأن الإنسان لو قطع عن اللّه تعالى، فيأتي هذا السؤال: كيف التفت الإنسان إلى أنه يملك أصواتا متعددة، و أنه قادر بهذه الأصوات على أن يجعلها أدوات لتفهيم المعاني، و ما هي النكتة في ذلك، و في بادئ الأمر كيف توجّه إليها؟.
الآن تبدو هذه النكتة واضحة و بديهية، باعتبار أن كل إنسان ينشأ في داخل لغة، لكن إذا تكلمنا قبل فرض أي لغة، حينئذ كيف التفت الإنسان أنه بالإمكان أن يستخدم الأصوات ليجعلها دالة على المعاني المختلفة؟. من قبيل
[١] بدائع الأفكار- الآملي: ج ١/ ص ٢٨.