بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦٢ - الجهة الثانية في تشخيص الواضع
لا بدّ و أن يكون هذا الإنسان، سنخ إنسان له من الاطلاع على دقائق المعاني، و خصوصياتها، و شوارد الأفكار، ما لا يوجد إلّا في الأنبياء، و أشباه الأنبياء، بخلاف ما لو قلنا إنّ الواضع هو اللّه تعالى، فيناسب حينئذ مع سعة اللغة و شمولها، و إحاطتها.
و هذا الاستبعاد أجاب عنه بعضهم [١]. بما يرجع حاصله، إلى أنه لو فرضنا أنّ شخصا واحدا أنشأ لغة بتمامها، فهذا الاستبعاد في محله، لو أن شخصا واحدا هو بنفسه قام بعهدة إنشاء لغة بكاملها، بكامل موادها، و نحوها، و صرفها، و اشتقاقاتها، هذا المطلب مستبعد جدا وفاء عهدة إنسان واحد به.
و لكن الأمر ليس هكذا، فإن اللغة لم توجد في يوم واحد، و دفعة واحدة، و إنما وجدت على مراحل، و بالتدريج حسب حاجة الناس، فإن اللغة نتيجة لاحتياجات الناس، و احتياجاتهم ليست من اليوم الأول واسعة، بحيث تحتاج إلى لغة واسعة، بل احتياجات الناس تبدأ قليلة، ثم تتسع بالتدريج، و كذلك اللغة تبدأ محدودة، ثم تزداد و تتكاثر بالتدريج.
إذن فلا بأس بأن يقال: إنّ الإنسان هو الذي صنع اللغة و وضعها، لأن واضع اللغة هو عبارة عن مجموع الأجيال المتعاقبة على طول الزمن، و هذا المجموع المتعاقب، لا استبعاد بأن يقع على عهدته وضع هذه اللغة، فالجيل الأول وضع مقدارا بقدر حاجته، و الجيل الثاني أضاف مقدارا آخر، و الجيل الثالث أضاف مقدارا ثالثا، و هكذا حتى تكونت لغة بهذا العرض العريض [٢].
الاستبعاد الثاني: إنّ الوضع لو كان من قبل إنسان معيّن، إذن لكانت هذه حادثة مهمة ملفتة للنظر، تسجل في التاريخ و تذكر [٣]، بأنّ فلانا هو الذي
[١] منهاج الأصول- الكرباسي: ج ١/ ص ٢٣- ٢٤
[٢] بدائع الأفكار- الآملي: ج ١/ ص ٢٨.
[٣] بدائع الأفكار- الآملي: ج ١/ ص ٢٨.