بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦٤ - الجهة الثانية في تشخيص الواضع
أن يقال: إن الإنسان كيف التفت إلى أنّ حبة الحنطة إذا وضعت تحت التراب، و سقيت بالماء، حينئذ تكبر و تنتج حنطة، هذا المطلب كيف التفت إليه أول فلّاح في العالم؟. و هذا المطلب لا يظهر بالتأمل و البحث الأصولي، إذن كيف التفت أول فلّاح إلى هذا المطلب؟. و هنا كيف التفت أول لغوي إلى أنّ الأصوات مجال واسع لتفهيم المعاني، و قابل لأن يجعل أداة لتفهيم المعاني؟. هذا استبعاد.
هذا الاستبعاد حينئذ بالإمكان أن يجعل شاهدا على أنّ ذلك كان بإلهام منه تعالى، فكما يقال مثلا في حبة الحنطة: إنه تعالى ألهم الإنسان، و خلق في نفسه شعورا و خطورا، بأن هذه الحبة إذا جعلت تحت التراب، و سقيت بمقدار من الماء معين، حينئذ يتولد منها حنطة، كذلك ألهم الإنسان و جعل في ذهنه، بأن هذه الأصوات تقترن مع هذه المعاني، قرن في ذهنه صوت (ماء) مع معناه، و صوت (هواء) مع معناه، فنشأ عنده دلالة هذه الأصوات على هذه المعاني.
هذا الاستبعاد قد يجعل شاهدا على أنّ الواضع هو اللّه تعالى.
و هذا الاستبعاد، يمكن رده على أساس ما أشرنا إليه سابقا، من أن دلالة الأصوات على المعاني بدأت في حياة الإنسان بلا وعي من قبل الإنسان في البداية، حيث أن أصوات الزئير، و النهيق، و الخرير، و غيرها من الأصوات، اقترنت في حياة الإنسان مرارا بمعانيها، حينئذ بمقتضى القانون التكويني الثاني، صار لها دلالة على تلك المعاني المعنية، من دون تدخل من قبل الإنسان.
كما إن الإنسان انتبه فجأة، إلى أنه، متى ما سمع الزئير يلتفت إلى كلمة (الأسد، و يتصور الأسد، لأنه اقترن في ذهنه. إذن فصوت الزئير يسبب تصور الأسد، فحينما أراد أن يفهم شخصا آخرا معنى الأسد استعمل الزئير، فلعلّ النكتة التي نبّهته إلى المطلب هو عبارة عن تلك الاقترانات الطبيعية الصدفية التي وقعت في حياته بين أصوات الحيوانات، و اشباهها، و بين معاني تلك الحيوانات، و من هنا التفت إلى أنه بالإمكان أن يدل الصوت على معنى،