بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦٧ - الجهة الثانية في تشخيص الواضع
استعمل هذه الجملة في أول وضع! خصوصا، أنّ بعض المواد في هذه الجملة غير محسوسة من قبيل التعهدات القلبية، و الأمور الاعتبارية.
و من المعلوم أن تفهيم هذه الأمور الغير محسوسة لا يكون إلّا بالتشبيه بالأمور المحسوسة، و إلّا كيف يعبّر ابتداء عن المعنى النفسي الغير المحسوس؟
إذن: فينبغي أن يقال بناء على هذا لاستبعاد: إن اللّه تعالى هو الذي قام بهذه المهمة بدلا عن الإنسان، و هذا الاستبعاد أيضا وجيه، و في محله، بناء على مبانيهم في باب الوضع.
و أما بناء على مبنانا: فلا يأتي هذا السؤال، لأنه لو طرح هذا السؤال كيف نشأت اللغة؟.
لقلنا: إنها نشأت من حيث لا يدري الإنسان، لأن خلال تجربة الإنسان، «الزئير بالصدفة»، أصبح دالا على معنى من المعاني، لأنه اقترن مع الأسد كثيرا، فأصبح دالا عليه، و بالتالي صار دالا على الرجل الشجاع، و هكذا نشأت اللغة و تكونت ألفاظ، و أخذ الواضع بعدها يستعين بهذه الألفاظ في مقام الوضع، إذن فلا إشكال.
الاستبعاد الرابع: هو أننا نعرف أنّ اللغة تنشأ بين جماعة كثيرة من الناس، و حينئذ نسأل: إنه حينما وضعت كلمة (ماء) مثلا لمعنى الماء، هذا المطلب، و هو اقتران اللفظة مع معناها، هذا المطلب، هل حصل مع إنسان واحد في ذهنه. أو أن كل الناس صدفة و من باب توارد الخواطر حصل عندهم و في أذهانهم نفس هذا المطلب نفسه، بحيث كل واحد منهم قال ماء؟.
فإن كان هذا المطلب، قد حصل عندهم بلا ربط واحد منهم بالآخر، و من باب توارد الخواطر، إذن فهذا هو الإلهام و معناه أن اللّه تعالى ألهمهم جميعا، إذن فالواضع هو اللّه.
و إن كان هذا المطلب حصل عند واحد من الناس، بحيث فكرّ، و بطريقة