أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٧٧ - حديث الحلية
...........
الكتب كانا بعد إيتائهم و تعريفهم، فلا بدّ من كون التعريف عبارة عن المعرفة الفطريّة بالصانِع، لا المعرفة بالأحكام، فتكون أجنبيّة عمّا نحن فيه أقول: الأخذ بظاهر الرواية غير ممكن؛ لأنّ ظاهرها إرسال الرسل و إنزال الكتب متأخّران عن الاحتجاج بما آتاهم و عرّفهم، فلا بدّ و أن يقال: إنّ المقصود منه أنّ سُنّة اللّه تعالى هو الاحتجاج على العباد بما آتاهم و عرّفهم، و هي منشأ لإرسال الرسل و التعريف، فتخلُّل لفظة (ثمّ) يكون مناسباً لذلك.
مع أنّ في ذيل الرواية دلالة على ذلك، فإنّ الظاهر أنّ ذيلها مربوط بهذا الكلام، فقد تصدّى لبيان أنّ التعريف على اللّه لإتمام الحجّة بقوله:
ثمّ أرسل إليهم رسولًا ...
إلخ، و أنّ إيتاء السعة و القدرة- أيضا- شرط لإتمام الحجّة بقوله: (فنام رسول اللّه عن الصلاة). إلى آخر ما ذكر من الاستشهاد بالآيات على أنّ التكليف موضوع عن الضعفاء و المرضى و الفقراء فراجع.
و بالجملة: هذا الذيل لا يضرّ بالدلالة، بل يؤيّدها.
و أمّا ما قيل: إنّ ما دلّ على الاحتياط وارد على مثلها [١] ففيه ما لا يخفى؛ فإنّ الظاهر منها أنّ المعرفة بالأحكام موجبة للاحتجاج، و بما أنّه في مقام الامتنان و التحديد، تدلّ على أنّه مع عدم المعرفة لا يقع الاحتجاج، و لا يكون الضيق و الكُلفة، كما دلّ عليه ذيل الرواية الثانية، و لزوم الاحتياط لا يوجب المعرفة بالأحكام، ضرورة عدم طريقيّته للواقع، لا حكماً و لا موضوعاً، فلو احتجّ علينا على الواقع بالاحتياط يكون احتجاجه بلا تعريف، و هو يناقض الرواية، و ليس الاحتياط واجباً نفسيّاً حتّى يحتجّ به، بل بعد إلزام الاحتياط يحتجّ بالواقع، فلا إشكال في مناقضة الاحتياط معها.
بل لا يبعد حكومتها على أدلّة الاحتياط؛ لتعرّضها لنفي الاحتجاج- الّذي لازم جعل الاحتياط- ممّا لا تتعرّض له أدلّة الاحتياط، فتدبّر.
و قريب منهما ما روي في الوافي عن الكافي في باب البيان و التعريف بإسناده عن اليمانيّ، قال: (سمعت أبا عبد اللّه يقول: إنّ أمر اللّه كلّه عجب، إلّا أنّه قد احتجّ عليكم بما عرّفكم
[١] مقالات الأُصول ٢: ٦٢ سطر ٦- ٧.