الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٤١٠ - المتن
لم ير أحسن منه. فتقدّم أبو جهل و زعم أن ذلك له، فصاح به ميسرة فقال: يا سيدي، أمهل قليلا فقد جعلت منزلتك في بني مخزوم. فرجع و هو خجلان، و جلس في مرتبته.
فما كان إلا ساعة و إذا بصيحات قد علت و زعقات قد ارتفعت و العرب قد تواثبت، و قد أقبل النبي صلّى اللّه عليه و آله و العباس بن عبد المطلب إلى جانبه و سيفه مجرّد بيده، و هو ينادي:
يا آل غالب يا آل غالب، يا ذوي العشائر يا ذوي العشائر و أرباب الأمدار و أهل المراتب و الاعتبار! ألزموا الأدب و أقلّوا الكلم و انهضوا على الأقدام و لا تطيلوا الملام و دعوا الكبر، فقد جاءكم صاحب الزمان، الداعي إلى الدمار؛ هذا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، المتوّج بالأنوار، صاحب السكينة و الوقار، و قد ورد عليكم.
قال: فنظروا القوم و إذا بالنبي صلّى اللّه عليه و آله دخل و هو متعمّم بعمامة سوداء، يلوح نور الجبين من تحتها، و عليه قميص إبراهيم الخليل، متختّم بخاتم من البلّور الأبيض، و قد شمّر طرف برديه، و الناس محدقون به و قد شخصوا بالنظر إليه، و قد أحاطت به عشيرته و حمزة يحجبه، و قد شخصت إليه الأحداق من جميع المخلوقات بالإشارة يسلّمون عليه، و ذهلت له الأمم، و قام كل قائم على قدم، و قد خرست الألسن و ما فيهم من يتكلّم، حتى سبقهم بالكلام.
فنهضوا لهيبته على الأقدام، فلم يبق منهم قاعد إلا أبو جهل، و قال في نفسه: إن كان الأمر لخديجة لتأخذنّ محمدا. فنزل به الحسد و الكمد، فتقدّم إليه حمزة كالأسد، فقيض على مراق بطنه و قال له: قم لا سلمت من النوائب و لا نجوت من المصائب.
فزاد به الغيظ، فوضع يده على قائم سيفه. فكبس عليه حمزة حتى نبع الدم من أصابعه، و وكزه الحارث فقال: ويحك يا ابن هشام! ما أنت عديل من نهض إليه، فإن لم تقعدنّ لتملصنّ رأسك. فقعد و هو مقهور و خاف الفضيحة بأن يكون خديجة قد علمت بما جرى عليه، لأنه من جملة من رجى أن يتزوّج بها.