العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢١١ - ٢٦٨١- وهيب بن الورد بن أبى الورد، أبو أمية المكى، و قيل أبو عثمان، مولى بنى مخزوم، من عبّاد المكيين و أعيانهم، و كان اسمه عبد الوهاب فصغّر، فقيل وهيب
و قال زهير بن عباد: و كان فضيل بن عياض، و وهيب بن الورد، و عبد اللّه بن المبارك، جلوسا، فذكرو الرطب، فقال وهيب: قد جاء الرطب، فقال عبد اللّه بن المبارك: يرحمك اللّه، هذا آخره، أو لم تأكله؟ قال: لا. قال: و لم؟ قال وهيب: بلغنى أن عامة أجنة مكة من الصوافى و القطائع، فكرهتها. فقال ابن المبارك: يرحمك اللّه، أو ليس قد رخص فى الشراء من السوق، إذا لم تعرف الصوافى و القطائع منه، و إلا ضاق على الناس خيرهم، أو ليس عامة ما يأتى من قمح مصر، إنما هو من الصوافى و القطائع؟ و لا أحسبك تستغنى عن القمح، فسهّل عليك. قال: فصعق وهيب، فقال فضيل لعبد اللّه: ما صنعت بالرجل؟ فقال ابن المبارك: ما علمت أن كل هذا الخوف قد أعطيه.
فلما أفاق وهيب، قال: يا ابن المبارك، دعنى من ترخيصك، لا جرم لا آكل من القمح إلا كما يأكل المضطر من الميتة. فزعموا أنه نحل جسمه حتى مات هزلا.
و قال حازم الديلمى: قيل لوهيب بن الورد: ألا تشرب من زمزم؟ قال: بأى دلو؟.
و قال شعيب بن حرب: ما احتملوا لأحد ما احتملوا لوهيب، كان يشرب بدلوه.
و قال ابن المبارك: ما جلست إلى أحد، كان أنفع لى مجالسة من وهيب.
و كان لا يأكل من الفواكه، و كان إذا انقضت السنة، و ذهبت الفواكه، يكشف عن بطنه و ينظر إليه و يقول: يا وهيب، ما أرى بك بأسا، ما أرى تركك للفواكه ضرك شيئا!.
و قال: كان يقال: الحكمة عشرة أجزاء، فتسعة منها فى الصمت، و العاشرة عزلة الناس، فعالجت نفسى على الصمت، فلم أجدنى أضبط كما أريد منه، فرأيت أن هذه الأجزاء العشرة، عزلة الناس.
و قال ابن أبى رواد: انتهيت إلى رجل ساجد خلف المقام، فى ليلة باردة مطيرة، يدعو و يبكى، فطفت أسبوعا، ثم عدت، فوجدته على حاله، فقعدت قريبا منه الليل كله، فلما كان جوف الليل، سمعت هاتفا يقول: يا وهيب بن الورد: ارفع رأسك، فقد غفر لك، فلم أر شيئا.
فلما برق الصبح، رفع رأسه و مضى، فاتبعته، قلت: أو ما سمعت الصوت؟ فقال:
أى صوت؟ فأخبرته، فقال: لا تخبر أحدا. فما حدثت به أحدا حتى مات وهيب.
و قال محمد بن يزيد: كانوا يرون الرؤيا لوهيب، أنه من أهل الجنة، فإذا أخبر بها