العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٨٨ - المطلب بن عبد اللّه بن حنطب بن المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم القرشى المخزومى
ذراعى، فوجدتها باردة، فبلغت به منزله، ثم رجعت إلى أبى، فقلت له: اعلم أنى أحسب المطلب سيموت، فقال: و ما ذاك؟ فقلت له: توكأ على يدى، و ذكر ابنه و الحرمة التى كانت بينى و بينه فبكى، فقطرت قطرة من دمعه على ذراعى فوجدتها باردة. و لما صار المطلب إلى مضربه قال: هاهنا كان مضجع الحارث العام الأول، و جعل يردد ذلك حتى مات من ساعته.
و من أخبار الحكم بن المطلب هذا فى الجود، ما ذكره الزبير بن بكار، لأنه قال:
فأخبرنى عمى مصعب بن عبد اللّه، عن مصعب بن عثمان، عن نوفل بن عمارة، قال:
إن رجلا من قريش، ثم من بنى أمية بن عبد شمس، له قدر و خطر، لم يسمّ لى، لحقه دين، و كان له مال من نخل و زرع، فخاف أن يباع عليه، فشخص من المدينة يريد الكوفة، يعمد خالد بن عبد اللّه القسرى، و كان واليا لهشام بن عبد الملك على العراق، و كان يبرّ من قدم عليه من قريش، فخرج الرجل يريده، و أعدّ له هدايا من طرف المدينة، حتى قدم فيدا [١] فأصبح بها، و نظر إلى فسطاط عنده جماعة، فسأل عنه، فقيل:
للحكم بن المطلب، فلبس نعليه، ثم خرج حتى دخل عليه، فلما رآه، قام إليه، فتلقاه فسلّم عليه، ثم أجلسه فى صدر فراشه، ثم سأله عن مخرجه، فأخبره بدينه، و ما أراد من إتيان خالد بن عبد اللّه القسرى، فقال له الحكم: انطلق بنا إلى منزلك، فلو علمت مقدمك لسبقتك إلى إتيانك، فمضى معه حتى أتى منزله، فرأى الهدايا التى أعد لخالد، فتحدث معه ساعة، ثم قال: إن منزلنا أحضر عدّة، و أنت مسافر، و نحن مقيمون، فأقسمت عليك إلا قمت معى إلى المنزل، و جعلت لنا من هذه الهدايا نصيبا فقام معه الرجل فقال: خذ منها ما أحببت.
فأمر بها فحملت كلها إلى منزله، و جعل الرجل يستحيى أن يمنعه منها شيئا، حتى صار معه إلى المنزل، فدعا بالغداء، و أمر بالهدايا، ففتحت، فأكل كل منها و من حضره، ثم أمر ببقيتها ترفع إلى خزائنه، و قام فقام الناس، ثم أقبل على الرجل، فقال: أنا أولى بك من خالد، و أقرب إليك رحما و منزلا، و هاهنا مال للغارمين، أنت أولى الناس به، ليس لأحد عليك فيه منّة إلا اللّه عز و جل، تقضى دينك.
ثم دعا بكيس فيه ثلاثة آلاف دينار، فدفعه إليه و قال: قد قرّب اللّه عز و جل عليك الخطو، فانصرف إلى أهلك مصاحبا محفوظا. فقام الرجل من عنده، يدعو له و يشكره، فلم تكن له همة إلى الرجوع إلى أهله، و انطلق الحكم معه يشّيعه، فسار معه شيئا، ثم
[١] فيدا: موضع فى منتصف طريق الحاج من الكوفة إلى مكة. انظر: معجم البلدان (فيدا).