العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢١٢ - ٢٦٨١- وهيب بن الورد بن أبى الورد، أبو أمية المكى، و قيل أبو عثمان، مولى بنى مخزوم، من عبّاد المكيين و أعيانهم، و كان اسمه عبد الوهاب فصغّر، فقيل وهيب
اشتد بكاؤه، و قال: قد خشيت أن يكون هذا من الشيطان، و قال: عجبا للعالم! كيف تجيبه دواعى قلبه إلى ارتياح الضحك، و قد علم أن له فى القيامة روعات و وقفات و فزعات، ثم غشى عليه.
و قال: لو أن علماءنا عفا اللّه عنا و عنهم، نصحوا للّه فى عباده، فقالوا: يا عباد اللّه، اسمعوا ما نخبركم عن نبيكم (صلى اللّه عليه و سلم)، و صالح سلفكم، من الزهد فى الدنيا، فاعملوا به، و لا تنظروا إلى أعمالنا هذه الفسلة، كانوا قد نصحوا للّه فى عباده، و لكنهم يأبون إلا أن يجروا عباد اللّه إلى فتنتهم، و ما هم فيه.
و قيل له: أيجد طعم العبادة من يعصى اللّه؟ قال: لا، و لا من يهم بالمعصية.
و قال على بن أبى بكر: اشتهى وهيب لبنا، فجاءته خالته به من شاة لآل عيسى بن موسى، فسألها عنه، فأخبرته، فأبى أن يأكله، فقالت له: كل، فأبى، فعاودته و قالت له:
إنى أرجو إن أطعته أن يغفر اللّه لك- أى باتباع شهوتى- فقال: ما أحب أنى أكلته، و أن اللّه غفر لى! فقالت: لم؟ فقال: إنى أكره أن أنال مغفرته بمعصيته.
و قال: لو قمت قيام هذه السارية، ما نفعك، حتى تنظر ما يدخل بطنك، حلال أم حرام!
و قال: اتق اللّه أن تسبّ إبليس فى العلانية، و أنت صديقه فى السر.
و قال بشر بن الحارث: كان وهيب بن الورد، تبين خضرة البقل فى بطنه من الهزال.
قال: و بلغنى أن وهيبا كان إذا أتى بقرصيه، بكى حتى يبلهما.
و قال: من عد كلامه من علمه، قل كلامه.
و قال: اتق أن يكون اللّه أهون الناظرين إليك.
و قال: نظرنا فى هذا الحديث، فلم نجد شيئا أرق لهذه القلوب، و لا أشد استجلابا للحق، من قراءة القرآن لمن تدبره.
و قال لابن المبارك: غلامك يتجر ببغداد؟ قال: لا يبايعهم، قال: أليس هو ثم؟ فقال له ابن المبارك: فكيف تصنع بمصر و هم إخوان؟ قال: فو اللّه لا أذوق من طعام مصر أبدا، فلم يذق حتى مات. و كان يتعلل بتمر و نحوه حتى مات.
و قال سفيان: رأى وهيب قوما يضحكون يوم الفطر، فقال: إن كان هؤلاء يقبل منهم صيامهم، فما هذا فعل الشاكرين!. و إن كان هؤلاء لم يتقبل منهم صيامهم، فما هذا فعل الخائفين!.