شرح تشريح القانون - ابن نفيس - الصفحة ٤٣٤ - فصل فى تشريح الأنثيين و أوعية المنى
إنما تكون أجزاؤه على الصفة التى ذكرناها إذا كان كل جزء منه قد يعدل فى عضو حتى صار فى مزاجه و قوامه شبيها بذلك العضو و إنما يمكن ذلك بأن يكون قد انهضم الهضم الرابع الذى عرفته، و إنما يكون كذلك إذا كان من الرطوبة الثانية فإن الدم إنما يصل إلى الأعضاء حتى ينهضم فيها الهضم الرابع إذا صار من هذه الرطوبة. و هذه الرطوبة قد بينا أن ما يتكون منها فى البدن الذى هى فيه فإن أصنافه ثلاثة و هى الرطوبة المحصورة فى أطراف العروق [١] الساقية للأعضاء، و الرطوبة المنبثة على الأعضاء كالطل و الرطوبة القريبة العهد بالانعقاد/ «فلننظر الآن أن المنى من أى الرطوبات يتكون فنقول إنه يتكون من الرطوبة الكلية و ذلك لأن القريبة العهد بالانعقاد»/ التى قد صارت من جوهر العضو الذى فيه و خرجت عن أن تكون قابلة للسيلان، و مثل هذه لا يمكن أن يكون منها المنى. و أما الرطوبة المحصورة فى أطراف العروق الصغار فلأن تلك لم تتصل بالأعضاء فلم يحصل لها بعد الهضم الرابع، فلذلك تكون المنى إنما يتكون من الرطوبة المبثوثة على الأعضاء كالطل، و هذه الرطوبة كيف يمكن وصولها إلى الأنثيين ثم إلى القضيب حتى يصير منيا، و معلوم أنه ليس ما كل جزء من كل واحد من الأعضاء مجرى يسيل منه ما هناك من تلك الرطوبة إلى الانثيين. فكيف يمكن وصولها إلى هناك؟
هذا إنما يمكن بأن تتبخر تلك الرطوبة من كل واحد من الأعضاء حتى يتصعد إلى أعلى البدن و هو الدماغ، و هناك تفارقها الحرارة المتبخرة فيبرد و يتكاثف و يعود إلى قوامها قبل التبخر ثم [٢] من هناك ينزل إلى الأثنيين.
و قد بيّنا فى غير هذا الكتاب أنها تنزل [٣] فى العروق التى خلف الأذنين و تنفذ إلى النخاع فى عروق هناك و فائدة نزولها مع النخاع أن ينحفظ عليها ما أفاده الدماغ من التعدل فلا يعرض لها أن تتبخر بالحرارة كرة أخرى فإذا نزلت من هناك كرة أخرى حتى وصلت قرب الأنثيين صادفت هناك عروقا واصلة من الكليتين إلى الأنثيين و تلك العروق مملوءة من دم قد يسخن فى الكليتين و يعدل فيحيله ذلك النازل من الدماغ إلى مشابهه بعض الاستحالة فلذلك يقرب من البياض ثم بعد ذلك ينفذ إلى الأنثيين فيكمل فيهما تعدله و بياضه و نضجه. و منهما يندفع إلى أوعيته و هذا الدم الذى يكمل نضجه و بياضه فى الأنثيين يقال له منى على سبيل التجوز و ذلك لأجل مشابهته للمنى الحقيقى و هو النازل من الدماغ و فى الحقيقة فإن المتكون فى الأنثيين هو فضلة غذائهما و ليس بمختلف لأن أجزاءه متشابهة و ليس بمحيل إلى [٤] المنى الحقيقى المذكور. و أما أن الأنثيين من الأعضاء الرئيسة، و أنها تعطى هذه المادة التى كالمنى قوة مولدة و مصورة فلذلك [٥] قد بينا بطلانه فيما سلف. و عبارة الكتاب لا خفاء فيها.
و اللّه ولى التوفيق
[١] ن: عروق
[٢] ٢ ب: ساقطة
[٣] ن: ساقطة
[٤] ب: إلا
[٥] ب: فذلك